رحل الموسيقي السويدي نيكي ستروم (1951-2026)، أحد أبرز وجوه الموسيقى التقدمية في السويد، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وإنسانياً امتد لأكثر من نصف قرن. وقد أثار خبر وفاته موجة من الحزن في الأوساط الثقافية والموسيقية، خصوصاً بين أولئك الذين عرفوه عن قرب أو رافقوا مسيرته الطويلة.
في حديث للإذاعة السويدية، استعاد صديقه ورفيق دربه الموسيقي توماس فورسيل ملامح الرجل الذي عرفه لأكثر من خمسة وخمسين عاماً. لم يتحدَّث فورسيل عن فنان فحسب، بل عن إنسان وصفه بأنه شديد الاهتمام بالآخرين، وصاحب حساسية إنسانية نادرة، إضافة إلى كونه واحداً من أمهر عازفي آلة الباس الذين عرفهم خلال حياته المهنية. وقد جاءت شهادته من موقع الصديق الذي كان إلى جانب ستروم في أيامه الأخيرة، مستعيداً لقاءه الأخير به قبل الرحيل.
لكن رحيل نيكي ستروم يتجاوز فقدان موسيقي بارز، فهو بالنسبة إلى كثيرين يمثل نهاية فصل مهم من الذاكرة الثقافية لمدينة غوتنبرغ. فقد كان يُنظر إليه بوصفه أحد أبنائها الرمزيين الذين ساهموا في صياغة هويتها الفنية الحديثة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بفرقتي Nationalteatern وNynningen اللتين أصبحتا جزءاً من الوعي الجمعي السويدي، عبر أغنيات مزجت بين الفن والهمّ الاجتماعي والأسئلة الإنسانية الكبرى.
ولم يكن ستروم مجرد عازف باس موهوب، بل اعتبره كثيرون بمثابة “العمود الفقري” للمشهد الموسيقي في غوتنبرغ والسويد عموماً. فمن خلال حضوره المستمر وإسهاماته الفنية المتواصلة، ساعد في ترسيخ تقليد موسيقي منحاز للإنسان وقضاياه، وجعل من الموسيقى أداة للتأمل والنقد الاجتماعي بقدر ما هي مساحة للجمال والإبداع.
إن أهمية شهادة فورسيل تكمن في أنها أعادت التذكير بالجانب الإنساني خلف الأسطورة الفنية. ففي لحظات الوداع تتراجع الألقاب والإنجازات، ويبقى الإنسان كما عرفه أصدقاؤه. ولهذا لم يركز على تاريخ ستروم الفني فقط، بل على شخصيته اليومية، وعلى حضوره الهادئ وأثره العميق في من حوله.
لقد كان نيكي ستروم جزءاً من جيل رأى في الموسيقى أكثر من مجرد ترفيه، بل وسيلة لفهم العالم والتفاعل معه. ولهذا يبدو رحيله بالنسبة إلى كثيرين، وكأنه إطفاء لأحد المصابيح القديمة التي ظلت تنير المشهد الثقافي السويدي لعقود طويلة.
أما أغانيه وتسجيلاته، فستبقى شاهدة على زمن كامل من الأحلام والأسئلة والتجارب الإنسانية. وبرحيله لا تفقد السويد موسيقياً كبيراً فحسب، بل تفقد غوتنبرغ واحداً من أصواتها التي ساهمت في كتابة جزء مهم من ذاكرتها الثقافية المعاصرة.

