الأحد, 2 أغسطس 2026

حين خرجت من لقائي مع الفنان التشكيلي رائد القطناني لم أكن أحمل تفسيراً جديداً لإحدى لوحاته، بل كنت أحمل سؤالاً بمضامين جديدة عن معنى الإبداع، و معنى الفن نفسه. لم يكن الحوار بيننا يدور حول التقنيات، ولا المدارس الفنية، ولا حتى الرموز والإشارات التي كان يضمّنها للوحاته. كان الأمر أعمق من ذلك بكثير، فقد كان يدور حول العلاقة المعقّدة بين الفنان واللوحة والمشاهد، وحول اللحظة التي يتوقّف فيها العمل عن أن يكون ملكاً لصاحبه فقط ليبدأ حياة جديدة داخل وعي الآخرين.

الفنان رائد القطناني

البياض .. لون الغياب

لقد أشار الفنان القطناني إلى إحدى لوحاته لنبدأ الحديث انطلاقاً منها. امرأة تجلس وتدير ظهرها إلى العالم، وتنظر نحو قرية تبدو كأنها مغطاة بقماش أبيض يمتد بين البيوت والتلال. “ما الذي تفهمه من هذه اللوحة”؟ سألني رائد.

بدأت من فوري رحلة التفكير بين اللوحة والعينين والعقل. لم أسأل نفسي: “ماذا أراد الفنان أن يقول”؟ لأنني أدركت أن هذا السؤال، على أهميته، ليس السؤال الوحيد، وربما ليس الأكثر أهمية في مجموع أسئلته. لقد سألت نفسي بدلاً من ذلك: “ماذا يريد الفنان من سؤاله قبل الإيغال بمشاهدة لوحته”؟ “ماذا قالت لي هذه اللوحة”؟ وهنا بدأت اللوحة تتغيّر. لم تعد امرأة. أصبحت ذاكرة مقيمة، ولم تعد القرية مكاناً فقط. أصبحت وطناً مؤجلاً. ولم يعد البياض مجرد لون. أصبح هو الغياب، وهو يحاول أن يدفع الحياة لأن تتلاشى وتختفي، بينما الحياة تصر على أن تبقى تحت الغطاء. وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن أقرأ لوحة رائد القطناني، بل كنت أقرأ جزءاً من ذاكرتي أنا، أو بعبارة أخرى ذاكرة الحالم الفلسطيني. وهنا يكمن، في رأيي، جوهر العمل الفني الكبير. فاللوحة لا تُقرأ بالعين وحدها، وإنما تُقرأ من خلال الخلايا التي صنعت الإنسان، بوجدانه وخبراته، وطفولته، وقراءاته، وانكساراته، وبيئته، ووعيه، وثقافته، ومرجعياته الفكرية والدينية والاجتماعية والنفسية بالإضافة إلى فلسطينيته. إنها تمر أولاً عبر البصر، لكنها لا تستقر إلا في أعماق الوعي، لهذا فإن كل مشاهد يرسم لوحة ثانية داخل عقله قد تكون أجمل، وقد تكون أشد ألماً، وقد تكون أبعد مما فكّر فيه الفنان نفسه، وليس في ذلك أي تناقض، فمن هنا ربما تبدأ عظمة الفن. إن الفنان العظيم لا يطلب من الناس أن ينتظروا تفسيره لفنه، وإنما يمنحهم الحرية ليكتشفوا معاني أعمق ترتبط بهم قبل أن ترتبط بالفنان ويمنحهم القدرة على تشكيل تفسيراتهم الخاصة بهم.

من معرض الفنان القطناني Foto: Kamal Jabr

هنا تذكّرنا الفنان الكبير الراحل محمد الوهيبي، الذي كان يرسم عالمه الخاص دون أن يغلق أبوابه على الآخرين. كان يترك العمل مفتوحاً، ويصغي بفضول وبابتسامٍ دائمٍ إلى قراءات المشاهدين، لأن كل قراءة كانت تضيف بعداً آخر وعمراً جديداً لكل لوحة من لوحاته. لم يكن يشعر أن اختلاف الفهم ينتقص من العمل، بل كان يراه دليلاً على ثرائه. وكثيراً ما كان يكتشف في تأويلات الآخرين أبعاداً لم يكن واعياً بها لحظة الرسم، وكأن العمل الفني يمتلك حياة مستقلة تتجاوز صاحبه. هذه الثقة، هي ما لمسته أيضاً في رائد القطناني. لم أجد فناناً يسعى إلى إقناع الناس بأنه يمتلك الحقيقة في لوحاته، بل إنساناً يبتسم، وهو يترك للوحة أن تواصل رحلتها وحدها في عيون وشفاه ووجدان المشاهد.

الفنان الواثق لا يخشى تعدد القراءات، بل يسعى إليها، لأنه يدرك أن العمل الحقيقي لا يُستهلك في تفسير واحد بل في تأويلات المشاهد المثقف نفسه

تشكيل شعري وبصري وموسيقي

هذا التواضع لم يكن تواضعاً ناتجاً عن تردد أو ارتياب، بل عن يقين، فالفنان الواثق لا يخشى تعدد القراءات، بل يسعى إليها، لأنه يدرك أن العمل الحقيقي لا يُستهلك في تفسير واحد بل في تأويلات المشاهد المثقف نفسه، ولعلَّ هذه هي النقطة التي تجعلني أنظر إلى الفنون كلها بوصفها لغة واحدة بأدوات مختلفة. وهذا ما أشار إليه الفنان رائد القطناني حين سألني مرّة أخرى: “بأي قصيدة توحي إليك هذه اللوحة”؟ ذلك أن القصيدة يمكن أن تتحوّل عنده إلى لوحة، كما تحوّلت الصورة الشعرية عند محمود درويش إلى عمل تشكيلي في تجربة رائد القطناني. واللوحة يمكن أن تتحوّل إلى قصيدة جديدة، أو إلى قصة قصيرة، أو إلى رواية، لأن المعنى لا يسكن الأداة ، بل ينتقل من لغة إلى أخرى دون أن يفقد جوهره. الشاعر يرسم بالكلمات، والرسَّام يكتب بالألوان، والموسيقي يؤلف بالنغم، والروائي يبني لوحاته بالسرد، لكنهم جميعاً يبحثون عن الإنسان نفسه. خرجت من ذلك اللقاء، وأنا لا أشعر أنني شاهدت لوحات فحسب، بل شعرت أنني قرأت قصائد عدّة لم تُكتب بالحروف، وتصفحت روايات لم تُطبع على الورق، واستمعت إلى موسيقى لا يمكن سماعها عبر الأذنين، وأيقنت مرَّة أخرى أن اللوحة العظيمة تُرسم مرتين: مرَّة بيد الفنان، ومرة أخرى من خلال وعي المتلقي الذي يقف أمامها، وربما لهذا السبب أرى أن الفنان رائد يوسف القطناني يقف بثقة المبدع الأصيل، إلى جانب الشعراء والروائيين والفنانين الكبار الذين لا يمنحوننا إجابات جاهزة، بل يمنحوننا فرصة نادرة لاكتشاف العالم وصولاً إلى اكتشاف جوانب مجهولة من أنفسنا.

معرض شخصي.. ثامن!

في النهاية، ليست قيمة الفن فيما يقوله الفنان وحده، بل فيما يوقظه داخلنا نحن، لأن العمل الإبداعي الحقيقي لا يطلب منّا أن نراه بأعيننا فقط، بل أن نعيشه بكل ما نحن عليه من ذاكرة وثقافة وخيال وإنسانية.

يُذكر أن معرض الفنان رائد القطناني الشخصي الثامن (من الفاء إلى النون) افتتح يوم 12 تموز في صالة مسرح المشيني – غاليري مهنا الدرة (اللويبدة) في العاصمة الأردنية عمّان، ويستمر لغاية يوم 23 تموز الجاري.

اترك تعليقاً

Exit mobile version