الإثنين, 6 يوليو 2026

في وقتٍ تتوارى فيه عتمة الليل خجلاً خلف أفق الشمال، وتغمر الشمس بلاد الإسكندنافيين بضوءٍ سرمدي لا يغيب، تنبض السويد بقلبٍ واحد: إنه عيد منتصف الصيف (Midsommar)، المناسبة الكبرى التي تختزل روح الثقافة السويدية، وتُعد بمثابة الإعلان الرسمي عن انتصار الحياة والطبيعة في أبهى تجلياتها. وفي هذه الأيام من شهر يونيو-حزيران، تترجم حديقة “سلوتسكوغن” الشهيرة في قلب العاصمة الغربية للبلاد يوتيبوري (غوتنبرغ) هذا الطقس القومي في أبهى صوره، حيث تحوّلت مروجها الشاسعة إلى مسرح مفتوح شخَصت إليه أبصار الآلاف للاحتفال بـ “ليلة منتصف الصيف”، وهو توقيت يتنقل بحرية مواءمةً مع عطلة نهاية الأسبوع منذ تعديل تشريعي جرى منتصف القرن الماضي، ليبقى الجوهر الروحي والتاريخي للمناسبة عصياً على التغيير، متجذراً في وجدان الأمة وعميقاً في وجدان سكان غوتنبرغ.
ويُعد عيد منتصف الصيف بالنسبة للسويديين بمثابة “عيد الميلاد الثاني”، ولكن بفارق جوهري؛ فبينما يميل إنسان الشمال للانكفاء داخل منزله وتحت دفء جدرانه في الشتاء المظلم، يمثل هذا التجمّع الحاشد في “سلوتسكوغن” انفجاراً اجتماعياً عفوياً نحو الخارج، واللحظة التي تعلن فيها الطبيعة سيطرتها المطلقة ليتحرر الجميع من قيود الروتين والتحفظ الإسكندنافي المعروف. وخلف المشهد البهيج لـ “عمود منتصف الصيف” الذي رُفع في قلب الحديقة مزداناً بأطواق الزهور الخضراء والورود البرية، وتمايل الحشود برقصاتهم الشعبية التقليدية كرقصة “الضفادع الصغيرة” العفوية التي يشارك فيها الكبار والصغار ببهجة طفولية، يكمن شريط طويل من التحوّلات الثقافية والتاريخية، فالعمود الشهير الذي يظنه البعض سويدي المنشأ، وفد في الأصل من المهاجرين الألمان قبل قرون طويلة، ليعاد ابتكاره بلمسة شمالية خالصة ترمز للخصوبة وتجدد الحياة، وتمزج أفراد العائلة والأصدقاء والزوّار من مختلف الخلفيات في قالب جماعي واحد يذيب الفوارق الطبقية والاجتماعية.

Foto: Faruq Faaiq Omer

وتقول الأسطورة المأثورة إن الفتيات اللواتي يقطفن سبعة أو تسعة أنواع مختلفة من الزهور البرية من مروج غرب السويد في صمتٍ مطبق وسرية تامة دون أن ينبسن ببنت شفة، ثم يضعنها تحت وسائدهن عند النوم، سينعمن برؤية ملامح شريك المستقبل في أحلامهن


أما المائدة التي افترشها المحتفلون تحت ظلال أشجار يوتيبوري العتيقة، فهي سيمفونية من المذاقات الحاضرة في الذاكرة الجمعية وعنصر أساسي في صياغة الهوية البصرية للعيد، حيث يتسيّدها سمك الرنجة المخلل بنكهاته المتنوعة، والبطاطس الطازجة الصغيرة المبكرة التي تُطهى مع الشبت كرمز للنضج والوفرة الأولى وخيرات الأرض بعد شتاء طويل وقاسٍ، وفراولة الصيف الحمراء المحلاة بالكريمة الطازجة التي يجمع الكل على أنها المذاق الحقيقي للصيف السويدي. وهي أطباق، وإن كانت حديثة العهد نسبياً بارتباطها بصناعة التعليب في القرن التاسع عشر وتحوّلات الإنتاج الزراعي، إلا أنها باتت طقساً موسمياً مقدساً يرتبط بهوية الأرض ارتباطاً وثيقاً، حتى لا يمكن لسويدي أن يتخيّل طعم الصيف دون مرارة الرنجة وحلاوة الفراولة.
لكن الوجه الأكثر إثارة وتشويقاً لليلة منتصف الصيف يتبدّى عندما تنحدر الشمس نحو الأفق دون أن تغيب، لينفتح الباب على عالم الفولكلور والأساطير السحرية الغامضة، حيث يحتوي التراث الشعبي على جانب مثير يوازن بدقة مذهلة بين الرومانسية الشاعرية والوجل من المجهول، ففي الثقافة الشعبية القديمة، تُعتبر هذه الليلة تحديداً فاصلاً زمنياً مشحوناً بالقوى الخارقة للطبيعة، حيث يرق الحجاب الفاصل بين عالمنا البشري المادي والعالم الخفي المخبوء في أحضان الغابات والبحيرات. وتقول الأسطورة المأثورة إن الفتيات اللواتي يقطفن سبعة أو تسعة أنواع مختلفة من الزهور البرية من مروج غرب السويد في صمتٍ مطبق وسرية تامة دون أن ينبسن ببنت شفة، ثم يضعنها تحت وسائدهن عند النوم، سينعمن برؤية ملامح شريك المستقبل في أحلامهن، إذ يربط التراث بين الأرقام الفردية والقوة الروحية للنباتات في أوج تفتحها. ولم يقتصر السحر القديم على أسرار القلوب، بل آمن الأجداد بأن التدحرج على ندى هذه الليلة المباركة يمنح الجسد المعتل شفاءً وقوة متجددة طوال العام، وأن الماشية والحيوانات في المزارع تنطق سراً بلغة البشر، بل إن المياه في بعض الينابيع الجبلية تتحوّل بحلول منتصف الليل إلى خمر يسكر من يرتشفه.

Foto: Faruq Faaiq Omer

غير أن هذا السحر المبهج لم يكن خالياً من الوجل والرهبة، إذ تحذر المرويات القديمة المدوّنة في سجلات التراث من نشاط مكثّف للكائنات الخفية والساحرات ونساء “الترول-الساحر” اللواتي يخرجن من مغاراتهن في هذه الليلة الطويلة لسرقة حليب الأبقار والعبث بصلوات الكنائس وبث الدسائس، وهو ما كان يشكّل في الماضي نظاماً دفاعياً نفسياً واجتماعياً للقدماء لتفسير الحوادث الغامضة وتقلبات الطبيعة التي لا يجدون لها تفسيراً.
وفي حين تشترك الدول المجاورة في شبه الجزيرة الإسكندنافية مثل الدنمارك والنرويج في إحياء هذه المناسبة تحت اسم “سانكت هانز” عبر إشعال نيران المخيمات الضخمة على الشواطئ لطرد الأرواح الشريرة والترحيب بالصيف، تنفرد السويد وجارتها فنلندا بمنح هذه العطلة صبغة رسمية وقدسية استثنائية في تقويم الدولة المعاصرة، تجعل من منتصف الصيف العيد غير الرسمي الأكثر تعبيراً عن الهوية الوطنية والانتماء القومي. إنها باختصار، وعاء جامع للذاكرة وترياق سنوي ضد كآبة الشتاء، تَجَسَّدَ حيَّاً وبأبهى حلة هذا العام في مروج “سلوتسكوغن” النابضة بالحياة، ليمزج السويديون في سبيكة واحدة بين دقّة وحداثة التنظيم المعاصر، وسحر وأساطير الغابات الشمالية القديمة التي لا تزال تنبض بقوة تحت جلد المجتمع الحديث.

اترك تعليقاً

Exit mobile version