في عشية مهرجان فالبورغ، الموافق يوم أمس 30 أبريل، احتفل الآلاف في حديقة سلوتسكوجن بمدينة غوتنبرغ بقدوم الربيع عبر الغناء الجماعي، وخطب ترحيبية بالموسم الجديد، وإشعال نار الربيع التقليدية، في مشهد سنوي يجمع بين الفرح الشعبي والذاكرة الثقافية. كما أُقيمت احتفالات مماثلة في ساحة ستيغبيرغ، وجامعة شالماش ومناطق أخرى من المدينة.
وشهدت المناسبة هذا العام مشاركة 28 جوقة غنائية تنوعت بين جوقات الأطفال، وكبار السن، والجوقات المحترفة، وفرق الهواة، إضافة إلى مجموعات ذات طابع خاص، ما أضفى على الحدث طابعاً مجتمعياً واسعاً يعكس التنوع الثقافي والفني في المدينة.
وقالت جوانا كنوتسون، مديرة التخطيط في إدارة البيئة بمدينة غوتنبرغ، إن هذا التنوع يمنح الاحتفال روحاً مميزة، مشيرة إلى أن فرقاً عديدة شاركت سابقاً تبدي رغبتها في العودة كل عام، إلى جانب مجموعات جديدة تتواصل باستمرار للمشاركة، ولم يُرفض أي طلب حتى الآن.
ومن بين المشاركات اللافتة هذا العام، انضم فريق غنائي رياضي حديث التأسيس، يضم مجموعة من الآباء والأمهات الذين بدأوا بتشجيع أبنائهم من المدرجات الرياضية، قبل أن يكتشفوا رغبتهم في الغناء أيضاً، حيث حظوا باستقبال حافل من الجمهور.
ويُعد احتفال فالبورغ في سلوتسكوجن امتداداً لتقليد يعود إلى القرن التاسع عشر، حين كانت الحديقة مركزاً للتجمّعات العامة والعروض الموسيقية. ففي تلك الفترة، كان السكان يتوافدون بملابسهم الأنيقة على متن عربات الترام التي تجرها الخيول من برونسباركن إلى سلوتسكوجن، للاستمتاع بالنزهات والحفلات الموسيقية في الهواء الطلق.
ما المقصود بالمهرجان والطقوس والتقاليد؟
يثير هذا الحدث السنوي تساؤلات حول مفاهيم ترتبط بالثقافة والتاريخ والحياة اليومية في السويد ودول الشمال، وهي: المهرجان، الطقوس، والتقاليد.
أولاً: المهرجان
المهرجان هو مناسبة تُقام في وقت محدد من السنة، وتحمل طابعاً جماعياً وترفيهياً أو دينياً أو ثقافياً، يجتمع الناس خلالها للاحتفال بحدث معين، مثل تغير الفصول أو مناسبة تاريخية أو دينية.
ويُعد فالبورغ مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يمثل احتفالاً شعبياً بقدوم الربيع من خلال إشعال النيران، والغناء، والتجمعات المفتوحة.
ثانياً: الطقوس
الطقوس هي ممارسات وأفعال منظمة ومتكررة ترتبط بمناسبة معينة، وقد تكون ذات جذور دينية أو رمزية أو اجتماعية. وفي فالبورغ، تُعد إشعال النيران، وإنشاد الأغاني الجماعية، والخطب الترحيبية من أبرز الطقوس المرتبطة بالمناسبة.
ثالثاً: التقاليد
أما التقاليد فهي عادات وسلوكيات تنتقل من جيل إلى جيل داخل المجتمع، وتشمل أنماط الاحتفال والطعام والملبس والممارسات الاجتماعية.
وتتجاوز التقاليد حدود المناسبة الواحدة، إذ تعكس أسلوب الحياة والقيم المتوارثة داخل المجتمع.
هوية إسكندنافية تجمع الفرح والطبيعة
تعكس هذه المناسبات ارتباط الثقافة الإسكندنافية بالطبيعة والفصول، حيث تتكرر مظاهر الاحتفال في الربيع والصيف، مثل الرقص حول الأعمدة المزينة، وارتداء أكاليل الزهور، والتجمعات العائلية، وتناول أطعمة موسمية كالرنجة والبطاطس، إضافة إلى الأغاني الجماعية في المدارس والكنائس.
وفي فالبورغ تحديداً، يتم استقبال الربيع في نهاية كل أبريل بإشعال النيران الكبيرة والغناء في الهواء الطلق، وهي طقوس تعود جذورها إلى معتقدات قديمة كانت ترى في النار وسيلة لطرد الأرواح الشريرة وحماية المجتمع.
من الطقوس القديمة إلى المجتمع متعدد الثقافات
شهدت السويد خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية كبيرة بفعل الهجرة والتنوع السكاني، وهو ما انعكس على شكل المهرجانات والاحتفالات العامة. فإلى جانب التقاليد المحلية، ظهرت مهرجانات متعددة الثقافات تعكس حضور الجاليات العربية والإفريقية والآسيوية، من خلال عروض موسيقية وفنية وفعاليات مجتمعية قائمة على التبادل الثقافي.
كما أصبحت المدارس وأماكن العمل أكثر مراعاة لتعدد الخلفيات الدينية والثقافية، مع تراجع الطابع الديني الصارم في بعض المناسبات، مقابل تعزيز قيم التعايش والاحترام والانفتاح.
ثلاث طبقات تاريخية في احتفال واحد
يمكن قراءة مهرجان فالبورغ اليوم بوصفه نتيجة تداخل ثلاث طبقات تاريخية:
- طبقة وثنية قديمة: احتفال بالنار والطبيعة وتبدل الفصول.
- طبقة مسيحية: ربط المناسبة باسم القديسة فالبرغا.
- طبقة حديثة حضرية: مهرجان اجتماعي وثقافي يجذب الآلاف سنوياً.
وهكذا يقدّم فالبورغ نموذجاً حيَّاً لكيفية تطور التقاليد مع الزمن، دون أن تفقد جذورها، بل بإعادة تشكيلها لتواكب المجتمع الحديث وتحولاته.
