تحوّلت قاعة بلوستيلليت في أنغيريد (شمالي غوتنبرغ)، يوم الأحد الماضي، إلى مساحة نابضة بالحياة والحكايات، بعدما احتضنت عرضاً لمجموعة أفلام قصيرة أعدّها طلاب متدرّبون ضمن مشروع “طائر الخطّاف – سنونو” الذي يشرف عليه للعام الثاني المخرج والمصوّر البوليفي ياركو رهيا سالازار. هذا المشروع الناشئ، ورغم حداثة تجربته، يلفت الأنظار إلى نوع مختلف من السينما: سينما تبحث عن هوية بين ثقافتين، وتخوض تمريناً على التعبير من خارج مسارات الإنتاج التقليدي.
عين لاجئين… ورغبة في رواية ما لم يُحكَ بعد
شارك في تقديم هذه التجارب كل من هيلدور نيكاندر إليزابيث، فاروق فائق عمر، فوزي بابان، خوسيه روميرو جالدين، وراؤول كاراسكو نوفاو، وجميعهم قدّموا أفلاماً قصيرة حملت طابع “الرؤية الأولى”؛ تلك التي لا تزال تفتش عن لغتها وتتشكل في مناطق حسّاسة بين الذاكرة الشخصية والحاضر الجديد.
ما ميّز الأفلام، رغم اختلاف مستوياتها الفنية، هو حضور الانطباعات الذاتية بقوة: مشاهد يومية بسيطة، رصد لقلق الانتقال، صور للحيّز الذي يعيش فيه هؤلاء الشباب، وكيف يعيد كل منهم تشكيله في ذهنه. بعض الأفلام جاءت أقرب إلى تسجيلات بصرية تبحث عن موضوعها، فيما قدّم بعضها الآخر لقطات مكثّفة تنطوي على وعود سينمائية لو استمرت في التطوّر.
اللغة البصرية… خطوة أولى تتلمّس الطريق
كانت البصمة اللافتة في العروض أن كل فيلم يبدو وكأنه محاولة للعثور على صوت شخصي، حتى وإن بدا هذا الصوت خافتاً أو متردداً أحياناً. فمن الطبيعي في تجارب ناشئة كهذه أن تطغى العفوية على البناء القصصي، وأن تكون المَشاهِد أحياناً مكتفية بصدق التجربة لا بضبط أدواتها.
مع ذلك، فإن هذا “النقص” هو تحديداً ما يمنح التجربة فرادتها؛ إذ يقدّم صورة خاماً لمرحلة التمرّن، ويكشف مقدار الطاقة التي يمكن صقلها في حال استمرار المشروع وتوفير دعم إنتاجي أكبر.
حضور اللاجئين ليس موضوعاً… بل منظوراً
انشغلت بعض الأفلام بموضوعات مرتبطة مباشرة بتجربة اللجوء، لكن اللافت أن التركيز لم يكن على سرد “قصة لجوء تقليدية”، بل على طريقة رؤية العالم الجديد: الشوارع، العلاقات، القلق اليومي، محاولات التأقلم. كل ذلك مرّ في لقطات قصيرة لكنها محمّلة بدلالات تنبّه المشاهد إلى حساسية التحوّل الذي يعيشه صناع الأفلام أنفسهم.
ولم يكن غريباً أن يختار البعض أن يقترب بالكاميرا (الموبايل) من تفاصيل بسيطة جداً، وكأنه يعلن أن التفاصيل الصغيرة، لا الأحداث الكبرى، هي ما يُبنى عليه الشعور بالانتماء.
سالازار يعرض “مشهداً تمهيدياً” من مشروعه الخاص
إلى جانب عروض الطلبة، قدّم المخرج المشرف ياركو رهيا سالازار فيلماً قصيراً مدَّته ثلاث دقائق عن كاتب بوليفي يعيش في ستوكهولم. الفيلم بدا أقرب إلى “نبضة أولى” لمشروع وثائقي أطول، قد يحمل طابع “الثريلر الوثائقي”. وعلى الرغم من قصر المدَّة، فإن الفيلم أظهر براعة بصرية ووعياً في اختيار الزوايا، بما يعكس خبرة سالازار الطويلة مقارنة بتجارب الطلبة.
تقييم عام… مشروع يحتاج رعاية أكبر
يمكن القول إن عروض “طائر الخطّاف” لا تقتصر على تقديم أفلام قصيرة، بل على تقديم جيل جديد من الرواة الذين يحاولون تحويل تجاربهم الشخصية إلى لغة فنية. ورغم التفاوت الواضح بين الأفلام—وهو أمر طبيعي في مشاريع تدريبية—إلا أن القاعة شهدت حضوراً لافتاً وشغفاً استثنائياً من المشاهدين الذين تابعوا الأعمال بنظرة تقدير وفضول.
وربما ما ينقص المشروع في الفترة المقبلة هو دعم إنتاجي وتدريبي أكبر، يسمح لهذه الأصوات الجديدة بالتحوّل من محاولات أولى إلى أعمال مكتملة، خاصة وأن العديد من الأفلام أظهرت “وعداً فنياً” يستحق الاستمرار.

