الخميس, 26 فبراير 2026

رحل اليوم عن عالمنا الممثل والمخرج الفلسطيني الكبير محمد بكري، أحد أبرز الوجوه الفنية التي حملت فلسطين إلى المسرح والسينما، لا بوصفها قضية مجردة، بل كحياة يومية نابضة بالألم والكرامة والمقاومة الإنسانية.

وُلد محمد بكري عام 1953 في قرية البعنة بالجليل، وامتدت مسيرته الفنية لعقود شكّل خلالها علامة فارقة في السينما والمسرح الفلسطينيين والعربيين. امتلك بكري حضوراً تمثيلياً طاغياً، وصوتاً عميقاً، وأداءً يجمع بين البساطة والقوة، ما جعله خياراً مفضّلًا لكبار المخرجين (فلسطينيين وعرب وأجانب) في أعمال تركت أثراً مقيماً في الذاكرة الثقافية والسينمائية والإنسانية.

شارك في أفلام بارزة مثل «حكايا الجواهر الثلاث» لميشيل خليفي، و «حنا.ك» لكوستا غافراس، و”درب التبانات” وغيرها من الأفلام التي جسَّد في بعضها الشخصية الفلسطينية بعيداً عن الكليشيه، وأقرب إلى الإنسان العادي الممزق بين وحشية وغطرسة الاحتلال وحب الفلسطيني وشغفه بالحياة.

لكن محطة بكري الأشد تأثيراً كانت خلف الكاميرا، حين أخرج فيلمه الوثائقي الشهير «جنين جنين» (2002)، الذي وثّق شهادات أهالي مخيم جنين بعد الاجتياح الإسرائيلي، فدفع ثمن هذا الفيلم سنوات من الملاحقات القضائية والتحريض، لكنه بقي متمسكًا بحقه في الشهادة، مؤمناً بأن الفن فعل أخلاقي قبل أن يكون مجرد جماليات زائدة في مهب الحياة.

محمد بكري لم يكن فناناً فقط، بل ضميراً ثقافياً متعدد الأصوات والصور ، اختار أن يقف في الصف الصعب، وأن يدفع ثمن موقفه دون مساومة. وبرحيله، تفقد الثقافة الفلسطينية أحد أصواتها الحرة العالية، لكن أثره سيبقى حاضراً في أفلامه، وفي ذاكرة جيل آمن بأن الفن يمكن أن يكون شكلاً متقدماً من أشكال المقاومة.

رحم الله محمد بكري… الصوت الذي واجه جحافل الظلمات بالكاميرا والكلمة.

اترك تعليقاً

Exit mobile version