يختار المخرج والكاتب السويدي ستيغ بيوركمان أن ينجز فيلمه الوثائقي (أنا انغريد) من زاوية تكاد تكون متفردة في عمل هذه النوعية من الأفلام التي تذهب إلى السيرة الشخصية للمشاهير فكيف إذا كانت من نوعية النجمة السويدية انغريد برغمان التي حصدت شهرة واسعة في هوليوود جعلت منها واحدة من الأرقام الصعبة في تاريخ الفن السابع إذ تنقَّلت في عملها مع مخرجين كبار من طينة فيكتور فيلمنغ، والفريد هيتشكوك، وروبيرتو روسيلليني، وهذا الأخير ستعمل معه في أفلام “نخبوية” مهمة في تاريخ السينما، لكنها معه – للمفارقة – ستنزل عن عرشها “الأميركي” إذ لن تغفر لها (أميركا المحافظة) العلاقة الغرامية التي ربطتها به، وهي ما تزال على ذمّة زوجها الطبيب السويدي بيتر ليندستروم. فيلم (سترومبولي) 1950 الذي شكَّل فاتحة اللقاء بمخرج (روما: مدينة مفتوحة) سينزلها عن العرش الهوليودي، فلقائها بروسيلليني الذي لا يُقال عنه الكثير في شريط بيوركمان يعطي أبعاداً أخرى للواقعية الايطالية الجديدة التي انتهجها المخرج الايطالي في مشواره المهني، إلا أن هذا لم يغطّ على نوعية الأفلام التي آثرتها هوليوود في توكيد مسيرة هذه النجمة.
شرارة الفيلم الوثائقي بدأت من لقاء شخصي بين ستيغ بيوركمان، وايزابيلا روسيلليني في مهرجان برلين سنة 2011، حيث أبدت هذه الأخيرة رغبة جامحة بأن يتولى بيوركمان “المخرج الوثائقي المثقف” صناعة فيلم وثائقي عن أمها انغريد. وافق بيوركمان دون تردد، فمن حسن حظ من يصنع فيلماً من هذه النوعية أن يجد أرشيفاً مفتوحاً كمثل الذي تملكه ابنة النجمة الراحلة يتيح له صناعته. المعروف أن انغريد برغمان كانت مولعة باستخدام الكاميرات، وتسجيل الكثير من من حياتها الشخصية مع عائلتها، وهذا أتاح دون شك تقديم فيلم وثائقي، حميمي، مبهر، من هذه الزاوية بالذات: كيف تبدو علاقة النجم المشهور بعائلته حين ينجح في تأمين كل متطلبات الحياة لهم؟. وهل هناك غفران من أي نوع لارتكاب “هفوة” العلاقة الغرامية الثانية التي قد تطيح بمعمار هذه الحياة؟!. لا يقدّم ستيغ بيوركمان أجوبة مباشرة، لكنه يترك للشريط أن يقدّم صوراً مختلفة ولقاءات مع أفراد عائلة برغمان من زوجيها، وهم قدَّموا بطيب خاطر كل ما يمكن تقديمه عن الأم الراحلة التي صنعت أسطورتها في هوليوود قبل أن تغرب عنها الشمس بسبب هذه الغفوة حتى بدت عودتها الثانية إليها في وقت متأخر أقل شأناً مما فعلت في المرة الأولى.
يتقلَّب الفيلم بين أمزجة المخرجين الذين عملت معهم انغريد برغمان: كل الأفلام التي قدمَّتها جاءت في مرتبة ثانية أمام تلك الصور الحميمة التي كشفت جوانب مخفية في حياة نجمة (كازابلانكا) 1942 التي جاءت من اسكندنافيا الباردة لتعكس شيئاً مختلفاً في عالم التمثيل. حجم تلك الملامسات الإنسانية التي تقدّمها برغمان لعائلتها في الفيلم الوثائقي يوازي حضورها أمام مخرجين كبار من طينة انغماربرغمان، وهيتشكوك، وديفيد لينش في مرحلة متقدّمة، وكأن الفيلم لا يؤسس فقط لنوع جديد في الإضاءة على حياة نجم، بل ويقدّم تصورات مختلفة عما يمكن الإشارة إليه حين يكمل بعض أولاد النجمة من الأبوين مهمة قول وتوليد أشياء جديدة في مديح الأم الراحلة.

