“كأن عالماً آخر كان ممكناً”، بهذا العنوان الاستفهامي والمثير، بدأ مسرح مدينة غوتنبرغ بروفات عمله المسرحي الجديد الذي يوثق إحدى أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ السويد الحديث: “أحداث شغب غوتنبرغ”. المسرحية التي يخرجها ابن المدينة نيكلاس هولستروم، لا تسعى فقط لاستعادة ذكريات صيف عام 2001، بل تغوص في أعماق الأحلام، النضال، والانكسارات التي غيَّرت وجه المدينة للأبد.
في صيف ذلك العام، قبل ربع قرن، تحوّلت غوتنبرغ، المدينة السويدية الهادئة، إلى مسرح للتاريخ العالمي. فقد استضافت قمة الاتحاد الأوروبي بحضور رؤساء دول وحكومات، إضافة إلى زيارة الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش. في الشوارع، احتشد آلاف المتظاهرين من السويد ومن أنحاء أوروبا، مدفوعين بحلم عالم أكثر عدلاً، وباحتجاجات على العولمة الرأسمالية، وسياسات الاتحاد الأوروبي، والهيمنة الأميركية.
ما بدأ كتظاهرات سلمية منظَّمة، ذات برامج واضحة وحوارات أولية بنّاءة مع الشرطة، انتهى إلى مواجهات عنيفة وفوضى غير مسبوقة. خلال أيام 14–16 حزيران اندلعت اشتباكات في الشوارع، أُصيب خلالها متظاهرون ورجال شرطة، واحتُجز طلاب داخل مدرسة هفيتفيلدسكا الثانوية، وتحوّلت المدينة إلى عنوان عالمي لما عُرف لاحقاً بـ«أحداث شغب غوتنبرغ».
هذه الأحداث لم تكن مجرد اضطرابات أمنية، بل لحظة فاصلة في الوعي السياسي السويدي. لقد تركت بصمة دائمة في تاريخ المدينة والبلاد، وغيّرت التصورات حول الاحتجاج، والدولة، وإمكانية بناء مستقبل بديل. بعد ربع قرن تقريباً، تعود تلك الأيام الآن إلى الواجهة – ولكن هذه المرََّة على خشبة المسرح.
من الشارع إلى المسرح
مسرح مدينة غوتنبرغ يعمل حالياً على تحويل أحداث شغب غوتنبرغ إلى عمل مسرحي جديد، من تأليف الكاتب الدرامي جيركر بيكمان وإخراج نيكلاس هولستروم. العرض المرتقب، الذي يُتوقع أن يرى النور في ربيع عام 2026، لا يسعى إلى إعادة تمثيل الوقائع حرفياً، بل إلى مساءلتها فنياً وإنسانياً، عبر تعدد الأصوات والوجهات.
توضح ليندا زاخرِسون، المديرة الفنية لمسرح مدينة غوتنبرغ، أن المشروع ينطلق من رغبة في كسر السردية الواحدة: “نريد أن نُبرز مزيداً من الأصوات، ومزيداً من الصور عمّا حدث. غوتنبرغ لم تكن مجرد ساحة عنف، بل مكاناً اصطدمت فيه أحلام كبيرة بقوى أكبر منها”. وترى زاخرِسون أن المدينة وجدت نفسها فجأة في قلب السياسة العالمية: “العالم جاء إلى غوتنبرغ، ومعه توتراته وصراعاته. أصبحنا مسرحاً لقوى لم نكن نملك السيطرة عليها”.
شهادات، لا حقيقة واحدة
كما في أعماله السابقة، يعتمد جيركر بيكمان على بحث معمَّق ومقابلات مع شهود عيان. سبق له أن عالج كوارث وأحداث مفصلية في التاريخ السويدي، مثل حرائق فاستمانلاند عام 2014 في مسرحية «الحريق الكبير»، وتأثير شركة ASEA على المجتمع السويدي في «هنا يأتي المستقبل». في هذا العمل الجديد، يعود إلى جرح شخصي وجماعي في آن.
كان بيكمان شاباً عندما وقعت أحداث غوتنبرغ، وتأثر بها بشدة. منذ ذلك الحين، كما يقول، كان يعرف أنه سيكتب عنها يوماً ما. المسرحية لا تبحث عن «الحقيقة النهائية»، بل تقدم تخييلاً مسرحياً مبنياً على وقائع حقيقية، حيث تتجاور الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتقاطع الماضي مع الحاضر.
نلتقي في العرض بشرطي يحاول أداء واجبه وسط الفوضى، وأم وابنتها محاصرتين داخل مدرسة، وناشطين شباب تحركهم المثالية والطموح، وغيرهم من الشخصيات التي تمثل زوايا مختلفة من تلك الأيام. الموسيقى تلعب دوراً أساسياً أيضاً، بمشاركة الموسيقي والمغني تيمو رايسانين، الذي يرافق العرض بموسيقاه.
فتح الستارة أمام الجمهور
في خطوة لافتة، يختار المسرح إشراك الجمهور في عملية الإعداد. ففي 21 أيار تُنظم لقاءات مفتوحة يُدعى فيها المواطنون لمشاركة ذكرياتهم وتجاربهم وأفكارهم حول أحداث شغب غوتنبرغ. كما يشارك باحثون وشهود عيان، من بينهم هانس أبراهامسون، الباحث في السلام والتنمية بجامعة غوتنبرغ.
تقول زاخرِسون: “نريد فتح الستارة أمام المواطنين. هناك قصص لم تُروَ، أو طُمست بسبب منطق الإعلام الذي يفضّل الصدام والعناوين الصادمة”. وتشير إلى أن كثيراً من التظاهرات السلمية، وقوة الأفكار التي حملتها، اختفت من الذاكرة العامة لصالح صور العنف فقط. هذا ما تؤكده أيضاً تجربتها الشخصية، إذ تنقل عن والدتها – التي شاركت في التظاهرات السلمية – شعورها بالخذلان بعد التغطية الإعلامية للأحداث.
ألم فكرة ضائعة
بالنسبة للمخرج نيكلاس هولستروم، لا يتعلَّق العرض بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضاً. يقول: “في عام 2001 كانت هناك فكرة واضحة عن عالم مختلف وأفضل. آمل أن يتذكَّر من يشاهد العرض تلك الفكرة، وربما يسأل نفسه: أين ذهبت مُثُلي؟ ولماذا تخلّيت عنها؟».
يرى هولستروم أن المسرحية تتناول «ألماً خفياً لشيء فُقد» في ذلك الصيف، ألماً لا يزال حاضراً بعد 25 عاماً. بين الأحلام التي لم تتحقق، والخوف الذي أعاد تشكيل السياسة والأمن والاحتجاج، يحاول العمل استعادة مساحة للتفكير، لا للإدانة السريعة.
ذاكرة مفتوحة
«أحداث شغب غوتنبرغ» ليست مجرد مسرحية عن الماضي، بل محاولة لفهم لحظة لا تزال تلقي بظلالها على الحاضر السويدي والأوروبي. إنها دعوة لإعادة النظر في ما حدث، وفي ما ضاع، وفي ما لا يزال ممكناً.
حين تتحول الشوارع إلى مسرح، لا تعود الأسئلة أمنية فقط، بل أخلاقية وإنسانية: كيف نتذكر؟ من يروي القصة؟ وهل ما زال بإمكاننا تخيّل عالم آخر؟
