فاز الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل في الأدب لهذا العام، وقال في تصريح مقتضب لراديو السويد بعد تلقيه خبر فوزه بالجائزة: “هذا أول يوم في حياتي أحصل فيه على جائزة نوبل، وأنا سعيد للغاية”. “
وقد أعلن السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، ماتس مالم، فوز لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل في الأدب لهذا العام في الواحدة بعد ظهر يوم أمس..
وقال الكاتب المجري كراسناهوركاي لإذاعة السويد بعد تلقيه الخبر: “أنا سعيد للغاية”. وأضاف أنه دخل عالم الأدب مرغماً، وعلى مضض، فلم يكن يحلم بأن يصبح كاتباً”
وقال إنه أراد في البداية أن يكتب كتاباً واحداً، فهو لم يتصوّر نفسه شخصاً مختلفاً عن الناس الآخرين. وقد واصل الكتابة بعد ذلك لتصحيح خطأ الكتاب الأول الذي لم يكن راضياً عنه تماماً”. وأردف كراسناهوركاي إنه سيأتي بالتأكيد إلى ستوكهولم لتسلم الجائزة. وهو يأمل أن تدخل الجائزة الفرح إلى قلوب مواطنيه في بلاده المجر.
المحرر الأدبي في صحيفة (أفتونبلاديت) راسموس لاندستروم كتب بالأمس في معرض تعليقه على تتويج لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل في الأدب، بأن القرار جاء مخيباً للآمال، فأفضل وصف لكتابة الروائي المجري هو تشبيهها بغزال من عصور الحفريات، وقد طوّر هذا الغزال قروناً مهيبة من خلال طفرة، لكن المشكلة أن القرون كانت ثقيلة جداً، فسار هذا الغزال، وهو يطاطئ رأسه غافلاً عما يحيط به.
وُلد كراسناهوركاي عام ١٩٥٤ في جنوب شرق المجر في قرية جيولا، على الحدود مع رومانيا. وقد عاد كراسناهوركاي مراراً إلى تخلف المنطقة التي جاء منها في رواية تلو الأخرى. نُشرت روايته الأولى “تانغو الشيطان” عام ١٩٨٥، وهي تصوّر مزرعة جماعية مهجورة قبيل سقوط الشيوعية. ثمة صمت وفقر، وشخصيات تنتظر منقذاً. الشيطان في القصة، إيريمياس، رجلٌ يُشوّه عقول الناس، مما يُسفر عن عواقب وخيمة.
في هذه الرواية، ترَّسخت تقريباً جميع المجازات. هناك دائماً أمطار غزيرة، غرائبية المشاهد فيها أشبه بعالم ما بعد نهاية العالم، وفي الحظائر المتهدّمة والمزارع المتعفنة، تتجول بقايا بشرية تنتظر الخلاص – وهو أمرٌ لا يؤمنون به حقًاً. ومن سمات كراسناهوركاي أيضاً الجمل المُلحّة، التي غالباً ما تمتد عبر صفحاتٍ كاملة، حيث تتشابك خيوطٌ وأصواتٌ متعددة.
في روايته الثانية، “كآبة المقاومة” (1989)، يتكرر مشهدٌ سوداوي، حيث يُصاب السكان المكتئبون بالجنون في قرية صغيرة شرق المجر، ويبدأ بُرج المياه بالتأرجح فجأةً، وتتوّقف أجراس الكنيسة عن أن تقرع، كذلك تتوّقف حركة السيارات. إضافةً إلى ذلك، يصل سيركٌ غامض، وأفراده يحملون جثة حوت أزرق مجهَّزة للعرض. وتبدأ السيدة إستر بسرد حلم تقطيع جثة زوجها إرباً إرباً، وفي الخلفية، قاطرة بخارية قديمة نائمة على طريق مسدود بينما يضرب المطر الذي لا يُطاق السكان.
وهكذا يستمر النثر في روايات كراسناهوركاي – أحداثٌ متباينةٌ مترابطةٌ في جملٍ تتأرجح كقطارات شحن طويلة على قضبانٍ بالية. وكثيراً ما يتدهور الوضع إلى عنفٍ أعمى لا شعوري. وصفت الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ كراسناهوركاي بأنه “سيد نهاية العالم” في الأدب المعاصر.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، دار نقاش حول ما إذا كان كراسناهوركاي يصوّر القمع الشيوعي في المجر. وهو يفعل ذلك بالفعل إلى حدٍ ما، ولكن بدلًا من أن يكون كاتباً سياسياً، ربما ينبغي اعتباره متشائماً على غرار توماس برنهارد. وصف كراسناهوركاي نفسه أعماله بأنها تدور حول “الزمن الخالد”. قد يبدو هذا كلاماً ميتافيزيقياً، لكنه في الواقع مادي بحت.
في ريف المجر، تستمر الحياة خارج الزمن، والفقر هناك مدقع، ويعيش الناس تحت وطأة القمع – ولا أحد يفهم السبب. في عالم كهذا، قد تحدث أشياء غريبة: مثل اهتزاز خزّان المياه دون سبب، أو ظهور أكبر حيوان على وجه الأرض فجأة في قلب بلدة صغيرة. لكن الشخصيات لا ترى روعة هذا، لأن وعيها يثقل كاهلها كقرون غزالٍ من العصر الحجري.
أليس هناك تصالح في روايات كراسناهوركاي ومجموعاته القصصية؟ حسنًا، ربما. قد تكون الفكاهة أحدها. ولعل أبرزها تعاونه الرائع مع المخرج بيلا تار. على سبيل المثال، في فيلم “حصان تورينو” (سيناريو كراسناهوركاي) الذي يصور مزارعاً فقيراً جداً وابنته في ريف المجر، حيث يُضرب حصانهما فجأةً. الفيلم يكاد يكون بلا كلمات، ويصور كيف تتضور الأسرة جوعاً بينما تهب العاصفة على السهول. هل تشعر بالاكتئاب؟ لا، لكن الفيلم يتميز أيضاً بتوقيت فكاهي غريب، حيث يواصل الأب وابنته طقوسهما اليومية، لا سيما عندما يأكلان البطاطس.
يتمتع كراسناهوركاي أيضاً بموهبة إبداع صور جميلة، كقطع الذهب التي جرفتها المياه في الوحل. مثل مالك الحزين الأبيض الناصع الذي يظهر في رواية “سيوبو في الأسفل” (2008)، ينتظر بصمت ضحيته في دوامات المياه. أو الذكر المهيب المحنّط في خزانة زجاجية في رواية “الذئب الأخير” (2009). لعل هذا الجمال المفاجئ وغير المتوقع هو التصالح الذي يمكن إيجاده في عالم كراسناهوركاي الأدبي.
هل من الصواب منح هذه الرواية المرعبة جائزة نوبل؟ جمالياً: بالتأكيد. أسلوب كراسناهوركاي في الكتابة لا مثيل له، رؤاه المظلمة آسرة ولغته تتلألأ بشرارات سوداء. علاوة على ذلك، فهو يمثل (مع بيتر ناداس) ما بعد حداثة مجرية استحقت الجائزة منذ زمن طويل. ومع ذلك، أشعر ببعض خيبة الأمل. فاختيار الفائزين متوقع بعض الشيء، وصعب المنال على جمهور القراء، وربما حتى يحمل في طياته كراهية من نوع ما. الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر بالرعشة هو أن جمهوراً كبيراً سيشاهد الآن اثنين من المزارعين المجريين في أواخر القرن التاسع عشر يقشرون البطاطس في مشاهد طويلة ومنومة.

