مع كتابة هذه الكلمات يكون اتفاق وقف الحرب على غزَّة قد دخل حيّز التنفيذ. وعبر عامين هي لم تكن حرباً حتى يجري الحديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار. كل ما في الأمر الآن أن العدوان قد توَّقف، ووجب عليه أن يتوَّقف، وينتهي منذ أمد طويل، لو لم تتلبَّس البشرية حالة عرجٍ وعمى غير مسبوق .
الذي حدث في غزة سوف يغيّر هذا التاريخ، ومن سوء تقدير الإعلام الحديث أن يجري الحديث فقط عن تغيّرات طرأت على الوعي الإسرائيلي خلال هذين العامين، وكأن المراهنة عليه لوحده كانت كافية بإقناع حكومته المتطرفة بوقف هذا العدوان الوحشي على شعب عريق متجذر في أرضه، كما أشجاره، وشواطئه، ورماله، وكينونته، كمواطن له الحق، بالانتساب إلى أرضه، والعيش فيها بسلام وكرامة كما كل الشعوب التي تتوق وتتعطش إلى الحرية.
الذي حدث عبر عامين سوف يُغيّر من ذلك التسلسل الهرمي في إعادة التأريخ، قبل وبعد غزَّة، ولسنا نبالغ إن قلنا إن هذه المقتلة لم تعد تخص أهل غزَّة وحدهم، فلأول مرة في التاريخ منذ أن اكتشف الإنسان قدرته على الكتابة والرسم على جدران الكهوف يعود هذا الإنسان نفسه إلى تلك الكهوف الرقمية، السابحة في الفضاء ليعيد تشكيلها، وينصب سُلمّاً لا يشبه سلالم اللغات الحيّة كلها، ويكشف عن أم الحقائق: حقاً، إن ما جرى في غزَّة مقتلة كونية!
