الخميس, 26 فبراير 2026

لا تأتي جوليا كريستيفا إلى الرواية من ورشة الأدب وحده، بل من مختبر الفلسفة والتحليل النفسي واللغويات. هكذا، حين تفتح صفحات روايتهاجريمة في بيزنطة2004، لا تجد قصة بوليسية بالمفهوم المتعارف عليه، بل عالماً مكتظاً بالأسئلة، مُحمّلاً بتاريخ ينهض من رماده، وبشخصيات تقف على الحوافّ بين العقل والروح، وبين الماضي والمستقبل.

كريستيفا، البلغارية ــ الفرنسية التي هاجرت في ستينيات القرن الماضي لتصبح واحدة من ألمع رموز ما بعد البنيوية، تعود في هذه الرواية إلى جذور بعيدة: إلى بيزنطة التي تشبه في روايتها قارة كاملة من المعنى. بيزنطة هنا ليست مجرد خلفية تاريخية، بل فضاء روحي ــ سياسي تتصارع داخله السلطة واللاهوت والهوية، تماماً كما يتصارع البشر في الواقع.

منذ الصفحات الأولى، ندخل عبر جريمة قتل غامضة، تبدو للوهلة الأولى مجرد خيط تحقيق، لكنها سرعان ما تتشعب إلى متاهة كاملة تُعيد ترتيب أسئلة القرّاء عن الحقيقة. الجريمة، في عالم كريستيفا، ليست حدثاً، بل نصّ. نص قاتل، كما قد تقول الرواية نفسها.

إلى جانب الجريمة، تتحرك مجموعة من الشخصيات التي تبدو كأنها خرجت من طبقات مختلفة من التاريخ: ستيفان لوبيز، أستاذ الدراسات البيزنطية، رجل يقف عند مفترق بين الماضي الذي يقرأه، والحاضر الذي يطارده. إيما، الصحفية الشابة التي تلاحق الحقيقة بشغف، ثم تكتشف أنها مطاردة مثلها. القس توماس، الذي يحمل بداخله صراعاً بين الإيمان الفردي والكنيسة كمؤسسة. وأخيراً أنتيغون، المستمَّدة من التراجيديا الإغريقية، كجسد يمشي مثقّلاً بجراح الذاكرة.

في منتصف هذا العالم، يمكن سماع صوت إحدى الشخصيات يقول:
الغفران يُقال في الرواية. لا ينبغي لي أن أهتم إلا بذاكرتي“.
إنه اعتراف صريح بأن اللغة ليست وسيلة تواصل في رواية كريستيفا، بل وسيلة نجاة. الرواية تصبح مساحة للتطهير، لتخفيف وطأة الذنب، أو لاستعادة هوية تآكلت عبر الزمن. فالغفران في هذا النص ليس فعلاً دينياً بقدر ما هو فعل سردي.

ولأن كريستيفا مشغولة دائماً بمفهوم الحقيقة في زمن الشكّ، فإنها تجعل إحدى شخصياتها تعترف بمرارة:تريدون مني أن أقول الحقيقة؟ أنا نفسي لا أعرفها“.
تبدو الحقيقة هنا مراوغة، هشّة، تتشكل بالقدر نفسه الذي تتفلَّت فيه. وهكذا يصبح التحقيق البوليسي تحقيقاً في المعنى ذاته، ومسعى لإعادة ترتيب موقع الإنسان داخل تاريخ طويل ومضطرب.

ذهب بعض النقاد إلى أنّ الرواية محاولة لكتابة رد مضاد على شيفرة دافنشيلدان براون الصادرة 2003، لكنّ الكاتبة تتجاوز لعبة التشويق الديني التي اشتهرت بها الرواية المذكورة، لتقدّم عملاً أكثر عمقاً: نصًا يفكك السلطة لا عبر إثارة المؤامرة، بل عبر مساءلة العلاقة القديمة بين المقدس والسياسي، بين الشرق والغرب، بين التراث الأوروبي والحداثة الجريحة.

ذهب بعض النقاد أيضاً إلى أنّ الرواية تمثل رحلة في هوامش الحضارة الأوروبية، حيث يُعاد رسم الخط الفاصل بين الإيمان والعقل، بين الجسد والنص. وهذا صحيح إلى حد بعيد، فالنص يتحرَّك فوق خطوط متوتّرة: حدود الجسد، حدود الهوية، حدود اللغة نفسها.

جريمة في بيزنطة ليست رواية سهلة. إنها ليست للقراءة السريعة أو للبحث عن حلّ سريع للغز مُحكم. إنها تشبه المخطوط البيزنطي الذي يدرسه ستيفان لوبيز: كل صفحة فيها تحمل ظلّ صفحة أخرى، وكل جملة تعود إلى جرح ما في التاريخ أو في الذات.

لكن من يرافق كريستيفا في هذه الرحلة سيجد ما هو أبعد من اللغز: سيجد نصاً يضيء مناطق منسية في ذاكرتنا الثقافية، ويطرح أسئلة لا تزال تتردّد في أوروبا المعاصرة، وفي العالم كله: من نحن؟ وما الذي نصير إليه حين نحمل تاريخنا معنا كحمل ثقيل؟ وهل يمكن للغة أن تنقذ ما لم تعد السياسة والدين قادرين على إنقاذه؟

رواية كريستيفا ليست عن جريمة في بيزنطة وحسب.
إنها، في جوهرها، عن جريمة في قلب المعنى.

اترك تعليقاً

Exit mobile version