الثلاثاء, 17 مارس 2026

تذهب المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إلى كتاب غسان كنفاني (ثورة 36-39 في فلسطين)، وتعتمده مصدراً أساسياً في ترتيب أحداث فيلمها (فلسطين 36). ربما الإفصاح بهذا القدر عن المرجع، أحدث خللاً في معمار الرواية، التي احتاجت إلى بعض التأني في الكتابة السينمائية (الفيلم من كتابة المخرجةوليس ثمة إشارة إلى تعاون ما مع كاتب، أو مع مستشار درامي، لتجنب بعض الهنّات التي اعترت نسيج الفيلم الروائي الطويل الرابع للمخرجة جاسر. الفيلم يُسجَّل له بالطبع نجاحه في خلق الأجواء العامة لجهة الديكورات، والأزياء، والأكسسوارات، واستخدام بعض الوثائقيات التي أعيد ترميمها خصيصاً للفيلم، مما عزز من وثائقيته الدرامية في وحدة المكان والزمان، والتعامل المعقّد مع شخصيات أساسية تظهر للمرّة الأولى، ما سمح بإعادة تكثيف بصري لتلك المرحلة الدرامية في تاريخ الشعب الفلسطيني التي تعاقبت عليها تسع عقود حتى الآن، وإذ تبدو مرحلة طويلة نسبياً، فإن ذلك يسمح بالقول إن آن ماري جاسر نجحت إلى حد بعيد باستعادة تلك الحقبة على مدى ساعتين من مدة الفيلم.

البيروقراطي الانجليزي اللعين

نحن في الريف الفلسطيني، في قرية البسمة، حيث يتردد أحد أبنائها (يوسف) على مدينة القدس بحثاً عن تشبيك حياتي مع أناس من فئة الأفندية المدينية ينقذه من رتابة الحياة الريفية، وأجوائها غير المطمئنة التي بدأت تلوح في الأفق، فسلطات الانتداب البريطانية زادت من ضرائبها على الفلاحين حتى تدفع بهم إلى مغادرة أراضيهم، وتمليكها للمستوطنين الجدد، حتى غدت مصادرة آلاف الدونمات أمراً عادياً، في وقت نشاهد سكنة المستعمرات، وهم يستعدون للاستيلاء على فلسطين.

يظل هذا الاستعداد عاجزاً عن الظهور في الفيلم، في وقت يبدو كما لو أن حياكة سجادة الحكاية برمتها في يد بريطانيا، سواء أكانت تقع على عاتق المفوّض السامي البريطاني (جيرمي ايرنز) ويده الضاربة الكابتن ويتغنت، رجل الاستخبارات الصلف، والمغرور، وكاره العرب، أو يده الشكلية المشلولة التي يمثلها توماس هوبكينز، وكأن المفوض لايحتاج إلا لهذه النوعية من الأشخاص ليدير لعبته بحذق البيروقراطي الشديد الذكاء في مجتمع فلاحي، تظهر البساطة من إحدى أهم مكونات وجوده، فهو مجتمع متآلف لا يدّعي الزيف أو التذاكي، وكأن الحياة وهبت له بهذه الطريقة احتراماً للنهايات السعيدة المثالية التي تبرر وجود هؤلاء الناس البسطاء في دورة الحياتية لم تكتمل مع وجود سلطات الانتداب وتدفق المهاجرين الإحلاليين من شتى بقاع الأرض.

الهوى العثماني المقلوب

يوسف (كريم داوود عناية) الذي يستقل القطار يومياً من قريته لايعاني من ضائقة أخرى في يومياته سوى في حياته كابن للريف، ويسعده أن يجد عملاً كسائق عند أمير بك (ظافر العابدين)، الأفندي المديني وزوجته خلود (ياسمين المصري) الصحافية التي تكتب أحياناً بأسماء مستعارة، وخريجة أوكسفورد، ولا تنقصها دربة لغة أهل شكسبير، ولكنها حائرة بين الهوى العثماني الذي يمثله الطربوش حين تفاجئ يوسف به في المشاهد الأولى، وتلك القبعة الانجليزية، وتزيد من حجم حيرتها وترددها، حين تقلب الطربوش وتحوّله في مشاهد أخرى إلى منفضة لسجائرها، فيما هي تكتب مقالاً على الآلة الكاتبة رداً على كاتب وهمي اسمه أنور يعقوب، يظهر أنه من تسريبات زوجها التي تكشف بدورها عن ارتباطات مشبوهة سوف تتكشّف لاحقاً، إذ لايفوت خلود أن تعلّق على مقاله بأنه صهيوني، لكن زوجها يقول لها مدافعاً عنه بأنها مجرد كتابة على الورق، وهو استسهال ميَّز هذه الفئة الانتهازية الوصولية ساهم في تسريب البلاد نفسها من بين أصابع أهلها، ووقف الجميع ينتظر ضياعها بمباركة من الإقطاع الفلسطيني الديني العاجز عن فهم مسببات الصراع والتحالفات التي أودت بفلسطين، ناهيك عن دور مشبوه للأنظمة العربية في إمارة شرقي الأردن والسعودية والعراق، وهو ما أسقطه الفيلم من حساباته الدرامية، فلم يأت عليها، ولم يقاربها، مكتفياً بتحميل بريطانيا العظمى مسؤولياتها عن نكبة فلسطين، حتى المستوطنين وما فعلته الأذرع الإرهابية لحركات الهاغاناه وشتيرن وسواها لم تظهر أفعالها في الفيلم، بالرغم من أن بعضها تحوّل إلى جيش للدفاع عن المستعمرات بدعم مطلق من سلطات الانتداب.

جانب من العرض السينمائي للفيلم في مدينة ألينغسوس-السويد Foto: Mohammad Sahli

لم تنجح المخرجة في رسم خطوط درامية لشخصيات اساسية في الفيلم، فبدت مع مراوحة الأحداث في مكانها، وكأنها تدور في مكانها وينقصها أن تنمو وتتطور، وكأن هذا النفخ الدراميأعجز من أن يلتقط خيوط الحكاية نفسها التي انفتح عليها الفيلم، فلا يوسف عرف ماالذي يريده من رباب مثلاً، ولاالطفل كريم أدرك ماترمز إليه الطفلة عفراء، بالرغم من أن هذه الشخصيات على سبيل المثال كان يمكن اعتمادها، لتكون خيوطاً خلاٌقة في الشبكة التي ينسج الفيلم منها أحداثه.

ليس مطلوباً من صناع الفيلم أن تكون الحكاية هوليوودية حتى تصبح مقنعة، وليس مقنعاً الحديث عن أن استقلالية البطل الفرد عن الجماعة قد تعني انحيازاً بالضرورة لهوليوود، وأن البطولة الجماعية هو قدر هذه النوعية من الأفلام، طالما أنه لاينتمي إليها.

فلسطينيون على حافة الحياة الدنيا

فيلم (فلسطين 36) نجح في ترتيب طقوس المشاهدة لنا بصرياً، وهي طقوس فردية تخضع لذائقة كل فرد على حدة، ولكنه أخفق في رسم مصائر بعض هذه الشخصيات حتى مع انكشاف أمير بك، وانكشاف ارتباطاته مع الحركة الصهيونية وتمويلها للجمعية الإسلامية حتى تقف في وجه الأحزاب الفلسطينية الخمسة بغية الحد من دورها في معترك الحياة الفلسطينية التي نقصها أن تستفيد من تحويل بريطانيا مجتمع المستوطنين الصهاينة إلى رأسماليين ملاّك، فيما بقي الفلسطينيون على حافة الحياة التي رسمها لهم الانتداب و الإقطاع الديني، وظلَّوا يراوحون في أمكنتهم دون أمل بالشفاء من قروح الاستبداد والتآمر على الحركة النقابية مثلاً التي ألهمت في بعض المواقع تفجير إضراب عمال مرفأ يافا في السنة المشار إليها بأنها التاريخ الذي استنطق أحداث الفيلم.

ياخبز.. يارصاص

يُقتل يوسف بعد أن التحق بصفوف الثوار، ويُعتقل خالد (صالح البكري) صاحب مقولة (ياخبز يارصاص)، وهو باسم ومدمّى، وتغادر عفراء إلى وجهة غير معلومة، ويعود كريم في النهاية إلى استخدام (الجمال التركي بحسب تعبير كامل الباشا عن المسدس العثماني) في قتل أحد جنود سلطات الانتداب به، الأمر الذي يزيد من غرابة استخدامه في نهاية الفيلم، وهل كان الأمر يستحق ذلك، كما لو أنه تميمة من تمائم الفيلم، أو مجرد حنين مبتور للحقبة العثمانية التي سبقت الانتداب بعد أن قلبت خلود الطربوش في وقت سابق وملأته برماد سجائرها. وقد يبدو مثيراً للغرابة أيضاً أن يلجأ الثوار في استيلائهم على أحد القطارات بغية جمع الأموال لدعم ثورتهم إلى إطلاق صرخات الهنود الحمر النمطية البالغة السوء في الأفلام الهوليوودية، أو حين يعزف فلاح فلسطيني في المشهد النهائي لحناً مميزاً من موسيقى القرب الإسكتلندية التي عرفها الفلسطينيون من الفرق الاسكتلندية في جيش الانتداب البريطاني، للمفارقة. تحية الهنود الحمر، والشعوب التي لاتكف عن التضامن مع الشعب الفلسطيني وثوراته المتعاقبة ليس هنا مكانها في هذا الفيلم على أية حال!

اترك تعليقاً

Exit mobile version