الثلاثاء, 17 مارس 2026

توفي يورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ذو الشهرة العالمية، في بلدة شتارنبرغ بالقرب من ميونيخ، حيث عاش منذ عام 1971، وفقاً لما أعلنته دار نشر سوركامب“. ويعد هابرماس أحد أعظم المثقفين الألمان في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جادل باستمرار من أجل ديمقراطية قوية وشاملة، ويمثل رحيله نهاية حقبة كاملة.

باعتباره أحد أكثر المفكرين تأثيراً في القرن العشرين، ظل هابرماس نشطاً حتى سنواته الأخيرة، وكان من المثقفين القلائل في ألمانيا الذين يتخذون مواقف منتظمة تجاه القضايا السياسية. فمن الدفاع عن حق اللجوء خلال أزمة المهاجرين عام 2015، إلى الدعوة لاتحاد أوروبي موحّد في مواجهة الشعبوية اليمينية، ظل ملتزماً بمثله الكوزموبوليتانية لديمقراطية مفتوحة وصارمة.

المسيرة الفكرية: من صدمة النازية إلى مدرسة فرانكفورت

ولد هابرماس عام 1929، ونشأ في ظل النظام النازي، وهو ما شكّل وعيه السياسي المبكر. بدأ حياته المهنية كصحفي حر، وقبل بلوغه الثلاثين، نال شهرة واسعة بأطروحته التحول الهيكلي للمجال العام” (1961)، التي استعرض فيها كيف يمكن للرأي العام أن يوجه العمل السياسي في الديمقراطيات الليبرالية.

انضم لاحقاً إلى معهد الأبحاث الاجتماعية في فرانكفورت، ليصبح أحد أبرز وجوه مدرسة فرانكفورت” (النظرية النقدية). وفي عام 1981، أصدر عمله الضخم نظرية الفعل التواصلي، الذي جادل فيه بأن اللغة والتفاهم المتبادل هما أساس التماسك الاجتماعي، وليس القوة أو الهيمنة المادية.

الانفصام الأخلاقي: هابرماس وحرب غزة

رغم إرثه الطويل في الدفاع عن حقوق الإنسان والحوار العقلاني، واجه هابرماس في أواخر حياته انتقادات لاذعة، خاصة في العالم العربي وبين الأوساط الثقافية العالمية، بسبب موقفه من الحرب في غزة.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أصدر هابرماس بياناً مشتركاً مع ثلاثة أكاديميين آخرين بعنوان مبادئ التضامن، دافع فيه عن الحرب الإسرائيلية على غزة، معتبراً إياها مبررة من حيث المبدأرداً على هجوم 7 أوكتوبر. وقد اعتبر العديد من النقاد هذا الموقف تنصلاً أخلاقياً من المبادئ التي نادى بها طوال حياته حول الفعل التواصليوحقوق الإنسان الكونية، حيث بدا وكأنه يتبنى معايير مزدوجة تجاه الضحايا الفلسطينيين، مما أثار جدلاً واسعاً حول ما إذا كان الفيلسوف قد فشل في تطبيق نظرياته الخاصة على أكثر القضايا إلحاحاً في عصره.

رفض الجوائز والمواقف السياسية

عُرف هابرماس في أمكنة أخرى تتطلب انحناءً أقل على الضمير بصرامته الأخلاقية، ففي عام 2021، رفض قبول جائزة الشيخ زايد للكتابمن دولة الإمارات العربية المتحدة، مبرراً ذلك بأن المؤسسات التي تمنح الجائزة ترتبط بنظام سياسي يفتقر للديمقراطية، وهو ما يتناقض مع أفكاره.

نجم يلمع في سماء الفكر ويهوي أحياناً كالشهب!

ترك هابرماس إرثاً أكاديمياً هائلاً يضم أكثر من 14,000 كتاب ومقال كُتبت عنه وعن نظرياته. ولأهميته التاريخية، أطلق اسمه على كويكب اكتُشف عام 1999 على حافة المجموعة الشمسية. وبالرغم من الجدل الذي أحاط بمواقفه الأخيرة، سيظل نجمه يلمع كأحد آخر العمالقة الذين حاولوا هندسة عالم يحكمه العقل والحوار“.


اترك تعليقاً

Exit mobile version