الأحد, 11 يناير 2026

يستعد مهرجان غوتنبرغ السينمائي، أكبر مهرجان سينمائي في دول الشمال الأوروبي، لإطلاق دورة جديدة تؤكد مكانته كأحد أهم الفعاليات السينمائية في أوروبا، وكمختبر مفتوح للأفكار السينمائية الجريئة والقصص القادمة من الهوامش والمراكز معاً.

منذ تأسيسه عام 1979، نجح المهرجان في التحوّل من حدث محلي إلى منصَّة دولية تستقطب صنّاع أفلام ونقاداً ومهنيين من مختلف أنحاء العالم، مقدّماً سنوياً مئات العروض السينمائية التي تجمع بين الإنتاجات الإسكندنافية، والأفلام العالمية المستقلة، والأعمال الفنية ذات البعد الإنساني والسياسي.

إرث الدورات السابقة

تميّزت الدورات الأخيرة للمهرجان بجرأتها في اختيار الأفلام، سواء عبر تسليط الضوء على قضايا الهجرة، الهوية، التغيّر المناخي، والحروب المعاصرة، أو من خلال منح مساحة واسعة لأصوات نسائية وشبابية وتجريبية.
كما حظي المهرجان باهتمام عالمي عندما ابتكر عروضاً سينمائية غير تقليدية، مثل مشاهدة الأفلام في مواقع معزولة، أو في ظروف مناخية قاسية، في محاولة لإعادة تعريف تجربة التلقي السينمائي، وربطها بالواقع والبيئة.

وشكّل برنامج Nordic Competition على وجه الخصوص منصَّة انطلاق مهمة للعديد من المخرجين الإسكندنافيين الذين انتقلوا لاحقاً إلى المهرجانات الكبرى مثل كان وبرلين والبندقية.

الاستعداد للدورة الجديدة

تشير الاستعدادات الجارية إلى دورة تواصل هذا النهج، مع تركيز متزايد على:

  • السينما السياسية والإنسانية
  • الإنتاجات منخفضة الميزانية ذات الرؤية الفنية الواضحة
  • توسيع برامج الصناعة، مثل سوق المشاريع وورش تطوير السيناريو

كما يُتوقع أن تتضمَّن الدورة القادمة نقاشات عامة وندوات مفتوحة حول مستقبل السينما في ظل التحوّل الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتراجع دور صالات العرض التقليدية.

أهمية المهرجان لغوتنبرغ والسويد

لا يقتصر دور مهرجان غوتنبرغ السينمائي على كونه حدثاً ثقافياً، بل يشكّل رافعة اقتصادية وسياحية للمدينة، ويعزز صورة السويد كبلد داعم للفنون وحرية التعبير. والأهم، أنه يمنح الجمهور فرصة نادرة لمشاهدة أفلام لا تصل عادة إلى دور العرض التجارية.

مع كل دورة جديدة، يثبت مهرجان غوتنبرغ السينمائي أنه ليس مجرد احتفال بالسينما، بل مساحة للتفكير، والاختلاف، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى عبر الشاشة الكبيرة.

الهجرة والهوية: حين تتحوّل شاشة غوتنبرغ إلى مرآة أوروبا

لم يعد حضور قضايا الهجرة والهوية في مهرجان غوتنبرغ السينمائي مجرّد خيار برمجي أو نزعة إنسانية عابرة، بل بات أحد الملامح البنيوية التي تميّز المهرجان عن غيره من التظاهرات السينمائية الأوروبية. ففي مدينة متعددة الثقافات مثل غوتنبرغ، حيث تتقاطع اللغات والذكريات والمنفى، تبدو السينما هنا امتداداً طبيعياً للنقاش الاجتماعي والسياسي الدائر خارج قاعات العرض.

على مدار الدورات الماضية، قدّم المهرجان أفلاماً تقترب من تجربة الهجرة بوصفها حالة وجودية لا مجرد انتقال جغرافي. الهجرة، في هذه الأعمال، ليست رحلة خلاص ولا مأساة أحادية، بل مساحة رمادية تعجّ بالأسئلة: من نكون حين نصل؟ وماذا يتبقّى من هويتنا حين نضطر إلى إعادة تعريف أنفسنا داخل مجتمع جديد؟

تتجلّى أهمية مهرجان غوتنبرغ في منحه مساحة واسعة لأصوات لا تحظى غالباً بتمثيل كافٍ في السوق السينمائي التجاري: مخرجون من أصول مهاجرة، لاجئون سابقون، وصنّاع أفلام يعبرون الحدود اللغوية والثقافية في أعمالهم. وغالباً ما تتخذ هذه الأفلام أشكالاً جمالية مختلفة — من الوثائقي الحميمي إلى السرد التجريبي — وكأنها تحاكي التمزّق الداخلي الذي تعيشه شخصياتها.

في السياق الإسكندنافي، حيث يُنظر إلى الاندماج بوصفه نموذجاً مؤسسياً ناجحاً، يذهب المهرجان خطوة أبعد، كاشفاً التناقضات الكامنة خلف هذا النموذج: العزلة، الإقصاء الناعم، وصراع الأجيال داخل العائلات المهاجرة. وهنا تكمن قوته، فهو لا يقدّم خطاباً وعظياً، بل يترك الصورة والإنسان يتكلمان.

بهذا المعنى، يتحوّل مهرجان غوتنبرغ السينمائي إلى منصة مساءلة جماعية، لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تفتح نقاشاً أوسع حول معنى الانتماء في أوروبا اليوم، وتؤكد أن السينما لا تزال قادرة على أن تكون أداة فهم، لا مجرد وسيلة ترفيه.

اترك تعليقاً

Exit mobile version