الأحد, 2 أغسطس 2026

لم تكن المباراة النهائية التي جمعت الأرجنتين وإسبانيا مجرد مواجهة كروية في نظر كثيرين، بل أنها تعدّت ذلك لتصبح مع الاندياح البشري على مواقع التواصل الاجتماعي وبعون من الذكاء الاصطناعي مياراة بين الخير والشر، بين الإنسان ومفرزاته القبيحة، فما إن أطلق الحكم صافرة البداية حتى بدأت، في هذا الفضاء مباراة أخرى أكثر صخباً، اختلطت فيها كرة القدم بالسياسة، والهوية بالرموز، والتشجيع بالمواقف الأيديولوجية. فجأة، لم يعد الحديث يدور عن أساليب اللعب أو التكتيك أو أداء النجوم، بل عن صراعات لا علاقة مباشرة لها بالمستطيل الأخضر، وذهب بعض المتابعين إلى وصف المباراة بأنها مواجهة بين إسرائيل وفلسطين.

إنتاج خيارات

هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فمنذ سنوات طويلة، تجاوزت كرة القدم حدود الرياضة، وأصبحت واحدة من أكثر المساحات قدرة على استيعاب الإسقاطات السياسية والثقافية، فالجمهور لا يشاهد المباراة بوصفها تسعين دقيقة فقط، مع احتمالات اللعب بالوقت المستقطع، أو ضربات الجزاء التي تقلل من هيبة اللاعبين في أحيان كثيرة، بل بوصفها مناسبة لإعادة إنتاج انحيازاته، أو التعبير عن غضبه، أو البحث عن رموز جديدة تعكس مواقفه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل كانت هذه المباراة تحمل فعلًا كل تلك الدلالات التي أُسقطت عليها؟الجواب عند البعض نعم، وعند البعض الآخر لا….

صحيح أن المنتخب الأرجنتيني لم ينزل إلى الملعب ممثلاً لقضية سياسية، ولكن ظهور وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة مثل ايتمار بن غفير، وسموتيريتش، والزعم بإقامة الصلوات من أجل فوزه دفعت نحو اصطفاف معلن غير مسبوق ضده، وهذا لم يحدث من قبل، فقد جاء المونديال في وقت ما تزال تتردد أصداء الإبادة الجماعية في غزة، أول إبادة في التاريخ تُنقل أحداثها عبر الأثير مباشرة. كذلك، فإن المنتخب الإسباني لم يدخل المباراة حاملاً مشروعاً أيديولوجياً، ولكن مواقف إسبانيا المشرّفة من هذه الإبادة جعلت منه ناطقاً رياضياً، باسم من وقف عاجزاً عن التصدي لها، أو عاجزاً عن العمل على وقفها على الأقل، فهي ماتزال مستمرة حتى يومنا هذا. اللاعبون كانوا يؤدون عملهم الرياضي، وهذا صحيح، وبعضهم عبّر عن مواقف تجاوزت هذه العمل مثل نجم المنتخب الإسباني لامين يامال الذي رفع العلم الفلسطيني في وقت سابق، وقد انتشرت صورته بسرعة البرق في أرجاء المعمورة. أما الجماهير التي وجدت قدرة على التعبير عما يختلج في الصدور عبر مواقع التواصل، فإنها في نفس الوقت كانت تمنح المباراة معاني أخرى، بعضها نابع من أحداث عالمية، كالذي يحدث في غزة كما أسلفنا، وبعضها الآخر من تصورات شخصية أو انفعالات تراكمت مع الوقت خارج كرة القدم التي تتنطط في الأرجاء، ولم يعد بالإمكان كبحها.

ترامب خارج وداخل المشهد

ربما تكشف هذه الظاهرة عن حاجة الإنسان الدائمة إلى صناعة الرموز، وقد تعاظمت هذه الحاجة مع توسع العالم الإشهاري، فحين تتعقّد السياسة، وتصبح غير مفهومة، ومتقلبة، كما تفعل “الترامبية” وعدواها المنتشرة اليوم في دول كثيرة يبحث الناس عن صور أبسط للتعبير عن مواقفهم، وتصبح الرياضة إحدى هذه الصور، وهكذا، تتحوّل قمصان المنتخبات إلى رايات، ويصبح الفوز أو الخسارة امتداداً لمعركة قد لا تخص اللاعبين أنفسهم، وقد تخصهم كما حدث في التصرف المفاجئ لكابتن منتخب إسبانيا الذي أزاح دونالد ترامب نفسه من الكرنفال الرياضي الخاص بالتتويج، وهو الذي وقف خائباً على الهامش غير مستوعب ماحدث البتة، وهو الأمر الذي جعل من رئيس الفيفا جياني إنفانتينو أن يهرع نحوه ليقنعه بالخروج من هذا المشهد الذي لم يكن بوسع أحد أن يتصور حدوثه..

وربما من هنا جاءت المقارنات التي طالت ليونيل ميسي ودييغو مارادونا، لكن هذه المقارنة، خارج حدود هذا الاندياح غير المسبوق في كرة القدم، قد تبدو منصفة للطرفين في عرف البعض.

هكذا، تتحوّل قمصان المنتخبات إلى رايات، ويصبح الفوز أو الخسارة امتداداً لمعركة قد لا تخص اللاعبين أنفسهم، وقد تخصهم كما حدث في التصرف المفاجئ لكابتن منتخب إسبانيا الذي أزاح دونالد ترامب نفسه من الكرنفال الرياضي الخاص بالتتويج

مارادونا .. مارادونا

فمارادونا لم يكن مجرد لاعب عبقري، بل كان شخصية عامة اختارت بإرادتها الانخراط في السياسة. أعلن مواقفه بصراحة من قضايا أمريكا اللاتينية، ووقف إلى جانب شخصيات سياسية كبيرة مثل الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وأعلن دعمه العلني للقضية الفلسطينية، كما فعل في مناسبات عديدة مع قضايا أخرى. وسواء اتفق المرء مع آرائه أو اختلف معها، فإنها كانت جزءاً من صورته التي صنعها بنفسه، ولم يحاول يوماً الفصل بين اللاعب والإنسان صاحب الموقف.

أما ليونيل ميسي، الذي يبدو للوهلة الأولى أنه سلك طريقاً مختلفاً، فظهر للبعض غير المتابع لما يحدث من تعقيدات في عالم السياسة التي لاتبرئ أحداً أنه حافظ على مسافة واضحة من الصراعات السياسية طوال عقدين من الزمان. صحيح أنه نادراً ما أدلى بتصريحات تتجاوز كرة القدم، وحرص على أن تبقى صورته مرتبطة بالإنجاز الرياضي والعمل الاحترافي، لكن ظهوره مع نتنياهو وسارة ووقوفه أمام حائط المبكى غيّرت من صورته الحيادية تماماً، وألغت ما يمكن اعتباره الشيء الصحيح في مسيرته الكروية، فهذه الاصطفافات يبدو أنها آخذة في التعمق، ذك أن وسائل التواصل الاجتماعي اخترعت لغة خاصة بها، واخترعت جماهيرها الآخذة في التوسع، والانتشار، ولا يجب أن ننسى أن ما حدث في غزة قامت هذه الوسائل ببثه عبر الهواء مباشرة، وهذا لم يسبق أن حدث من قبل في التاريخ.

لاعبون برؤوس مليونية للنطح

ربما كانت هذه هي المفارقة الكبرى في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، فلاأحد بمنأى عن المواقف من الأحداث السياسية والعالمية اليوم، فما بالك بوقوع إبادة جماعية مبثوثة ضمن هذا النطاق؟!ا..

في النهاية، ومن المؤكد أنه ستظل كرة القدم قادرة على جمع ملايين البشر حول شغف واحد، ولكنه شغف برؤوس متعددة مليونية، وصحيح أن اللعبة ستظل مرآة تعكس انقسامات العالم، فماحدث مع مباراة اسبانيا والأرجنتين قد يغيّر وجه هذه الكرة إلى الأبد، فلم يعد الصراع حول أي قضية مهما بلغ شأنها يقع خارج الملاعب وبعيداُ عن رؤوس اللاعبين التي تكتفي بنطح الكرة بغية تسجيل الأهداف. اليوم توسّعت حدود المرمى، وحدود هذه الملاعب، فالجميع يمكنه أن يصور ويكتب ويعلق وينطح الكرة، وغير الكرة، ومامن حرمة لأحد!.

اترك تعليقاً

Exit mobile version