لم يعد الحديث عن تنظيم داعش اليوم يشبه ما كان عليه قبل سنوات، حين بدا التنظيم وكأنه ظاهرة دموية طارئة ستنتهي بانتهاء سيطرته الجغرافية في العراق وسوريا. ما تكشفه السنوات اللاحقة هو أن «الخلافة» سقطت عسكرياً، لكن صورتها الإعلامية لم تمت، بل تحولت إلى قالب بصري وسردي تعيد المنصات العالمية إنتاجه باستمرار، بأشكال أكثر تعقيداً وانتشاراً. ولهذا يبدو الفيلم الوثائقي «استوديو الرعب»، الذي عُرض قبل سنوات، أكثر راهنية اليوم مما كان عليه عند بثه الأول.
الفيلم لم يكن مجرد تحقيق عن إعلام داعش، بل قراءة مبكرة لتحوّل الإرهاب إلى صناعة بصرية كاملة، تتغذّى من الخوف وتعيد تدويره كسلعة عالمية. يومها بدا الأمر صادماً: تنظيم متطرف يتعامل مع الصورة بوعي سينمائي، ويستعير أدوات هوليوود، وزوايا التصوير، والمونتاج، والموسيقى، والإيقاع الدرامي، ليحوّل القتل إلى مشهدية مصممة بعناية. لكن ما كان يبدو استثناءً صار اليوم جزءاً من ثقافة رقمية كاملة تقوم على اقتصاد الرعب.
كان الفيلم يذهب إلى ما هو أبعد من التوثيق التقليدي. لم يقدّم داعش بوصفه تنظيماً دينياً متطرفاً فحسب، بل باعتباره «استوديو» يفهم آليات السوق الإعلامية الحديثة. وهنا تكمن خطورته الحقيقية. التنظيم لم يكن ينتج بيانات دعائية بدائية، بل محتوى يعرف تماماً كيف يخاطب الجمهور العالمي، وكيف يصنع الصدمة، وكيف يحوّل العنف إلى مادة قابلة للمشاركة والتداول والاستهلاك الجماهيري.
جاك شاهين، الباحث الأميركي المعروف بدراساته عن صورة العرب في هوليوود، كان من أكثر الأصوات أهمية في الفيلم حين قال إن الغرب بات «يلعب لعبة داعش بدل محاربته». اليوم، بعد سنوات من المنصّات الرقمية والخوارزميات وثقافة “الترند”، تبدو عبارته أكثر دقة. فالعالم لم يهزم خطاب الرعب، بل أعاد إنتاجه داخل الصناعة الترفيهية نفسها. لم تعد صورة الإرهابي تحتاج إلى داعش كي تستمر، يكفي أن تتحوّل إلى “أيقونة بصرية” قابلة لإعادة التدوير في المسلسلات والأفلام وألعاب الفيديو ونشرات الأخبار.
حين ظهر الملثم “أبو مصعب الأردني” في الفيلم متحدثاً من تركيا عن استلهام التنظيم لسينما العنف الأميركية، بدا الأمر آنذاك كأنه مفارقة ثقافية مرعبة. لكن المفارقة الأكبر اليوم أن المنصّات العالمية نفسها باتت تستثمر في السرديات الكارثية التي رسخها التنظيم: المدن المنهارة، الجماعات المتطرفة، الدولة الأمنية، الرهائن، البث المباشر للعنف، والخوف بوصفه مزاجاً يومياً. لقد أصبح الإرهاب نفسه جزءاً من “الخيال الجماعي” للعالم المعاصر.
الأخطر أن ما تنبّه إليه الفيلم قبل سنوات تحقق فعلاً: لم تعد هوليوود وحدها تصنع الصورة. اليوم تقوم تيك توك وإنستغرام ويوتيوب ومنصّات البث القصير بالدور نفسه ولكن بسرعة أكبر وبلا رقابة جمالية أو أخلاقية حقيقية. لقد انتقل الرعب من السينما إلى الهاتف المحمول. من قاعة العرض إلى الخوارزمية.
في زمن إنتاج الفيلم، كان الحديث يدور حول تأثير مشاهد قطع الرؤوس وإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة واستخدام الكاميرات المتعددة والمؤثرات الرقمية. أما اليوم فقد دخل العالم مرحلة أكثر خطورة: الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق وصناعة المقاطع الوهمية. لم يعد السؤال كيف يصور الإرهاب نفسه، بل كيف يمكن تمييز الحقيقة من الصورة المصنّعة أصلاً. لقد أصبح الواقع نفسه قابلاً للمونتاج.
ولهذا يبدو «استوديو الرعب» اليوم أقرب إلى فيلم تنبؤي عن المستقبل الإعلامي أكثر منه وثائقياً عن تنظيم متطرف. فداعش لم يكن مجرد جماعة مسلحة؛ كان إعلاناً مبكراً عن ولادة عصر جديد: عصر تتفوق فيه الصورة على الحقيقة، ويتحوّل فيه الخوف إلى مادة اقتصادية وسياسية وثقافية.
ما يتبدَّى اليوم أيضاً هو أن التنظيم فهم باكراً ما تدركه المنصّات الرقمية الآن: أن الجمهور لا يستهلك المعلومات بقدر ما يستهلك الصدمة. ولذلك تحوّل العنف إلى لغة بصرية عالمية تتجاوز الحدود والأيديولوجيات. الفرق الوحيد أن داعش كان يقدمها باسم “الخلافة”، بينما تقدمها الشركات والمنصّات اليوم باسم “المحتوى”.
الفيلم كان يلمّح إلى نقطة شديدة الحساسية: العلاقة المعقدة بين الإرهاب والإعلام. فكلما ازداد حضور الرعب، ارتفعت نسب المشاهدة. وكلما تصاعد الخوف، ازدهرت السوق الأمنية والسياسية والإعلامية معاً. لهذا لم يكن غريباً أن يقول تيد جونسون، مدير تحرير مجلة فارايتي، إن “داعش والخوف عاملان قابلان للتسويق”. اليوم يمكن توسيع العبارة أكثر: الخوف صار العملة الأكثر رواجاً في العالم الرقمي.
وربما لهذا السبب لا يزال العالم يعيش داخل «استوديو الرعب» نفسه، حتى بعد اختفاء الرايات السوداء من كثير من المدن. لأن الاستوديو الحقيقي لم يكن في الرقة أو الموصل فقط، بل في البنية الحديثة للإعلام العالمي، حيث تتحوّل المأساة إلى فرجة، والخوف إلى صناعة، والإنسان إلى متلقٍ دائم للكارثة.
