ليست هذه شهادة عابرة من الكاتبة والصحافية السويدية المعروفة لوتا شولركفيست ، ولا مجرد كتاب عن مكان منكوب. إنها خلاصة علاقة إنسانية طويلة امتدَّت لأكثر من أربعة عقود بين كاتبة سويدية وقطاع غزَّة، علاقة تشكّلت عبر الوجوه والأصوات والبيوت والطرقات، قبل أن تتحوَّل اليوم إلى ذاكرة مهددة بالزوال.
تدخل الكاتبة إلى قطاع غزَّة لا بوصفها مراسلة تبحث عن خبر، بل شاهدة تبحث عن المعنى، وقد خبرت المكان بتفاصيله اليومية: ضحكات الأطفال، دفء البيوت الفلسطينية، الموانئ، المتاحف والمقابر، وفي الحكايات الصغيرة التي لا تجد طريقها عادةً إلى نشرات الأخبار. ومع مرور السنوات، صار هذا المكان جزءاً من تكوينها الإنساني والأخلاقي، لا مجرد محطة مهنية.
حين دُمِّرت غزَّة، لم يكن ما تهدّم عمراناً فقط، بل شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية، والذكريات والمعاني. وقد وجدت الكاتبة نفسها أمام سؤال وجودي قاسٍ: كيف نكتب عن مكان لم يعد موجوداً؟ وكيف نوثّق بشراً أُبيدت حياتهم، وأبيد المغزى من وجودهم كبشرٍ، فيما العالم يكتفي بالمشاهدة؟ فكان هذا النص (أسرار مارنا هاوس) فعل مقاومة أخلاقية، وكتابة في مواجهة المحو.
ما يميّز هذه التجربة ليس حجم المأساة وحده، بل الصدق النادر في مقاربتها. الكاتبة لا تفصل بين الصحافية والإنسانة، ولا تتخفّى خلف حيادٍ زائف. إنها تكتب بوعي مهني، وبقلب مفتوح، مدركة أن الموضوعية الحقيقية لا تعني البرود، بل الأمانة.
في هذا العمل، تتحوَّل الكتابة إلى شكل من أشكال الحداد، وإلى محاولة إنقاذ أخيرة لما تبقّى من غزَّة التي عرفتها: غزَّة البشر، لا غزَّة العناوين. شهادة تُقرأ اليوم لا بوصفها أرشيفاً للماضي، بل نداءً أخلاقياً للمستقبل، كي لا يصبح الدمار قدراً، والنسيان سياسة. هنا حوار مع الكاتبة والصحفية السويدية لوتا شولركفيست:
*عندما عدتِ لكتابة الفصل الجديد من(أسرار مارنا هاوس)، في أي لحظة شعرتِ أن غزَّة التي عرفتِها لم تعد موجودة؟ هل كانت الكتابة عن الفقد هي الأصعب، أم تقبّله في الواقع؟
**لم أعد إلى غزَّة فعلياً، إذ لم أزرها منذ آذار 2020، عندما أغلقت الجائحة الحدود. الفصل الجديد يستند إلى تحقيقات أجريتها خلال شتاء 2023–2024، عبر الهاتف، وفيسبوك، وقنوات رقمية أخرى، وفي حالة واحدة من خلال التواصل مع أقارب في السويد فقدوا أفراداً من عائلاتهم في غزَّة.
بستاني المقبرة العسكرية
كان الأمر أشبه بتركيب أحجية مؤلمة تتطلَّب صبراً طويلاً، واستغرق الأمر أكثر من نصف عام حتى تمكنت من الوصول إلى جميع من رغبت في التواصل معهم، أو على الأقل الحصول على معلومات عن مصائرهم. هناك شخص واحد فقط لم أتمكن من العثور عليه: بستاني المقبرة العسكرية البريطانية. لم أجد حتى الآن من يستطيع أن يخبرني بما حلّ به وبعائلته.
إدراكي بأن غزَّة التي عرفتها لم تعد موجودة تشكّل تدريجياً، فقد كنت أتابع ما يحدث عبر التغطيات الإعلامية، والقنوات الرقمية، واتصالاتي مع أشخاص داخل غزَّة. وكان الدمار المنهجي الجاري مختلفاً جذرياً عن العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة التي تابعتها منذ مطلع الألفية.
كان من المستحيل بطبيعة الحال تقبّل ما يحدث، وأصبحَت الكتابة عنه هي الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله. ومن خلال معرفتي العميقة بغزَّة وارتباطي العاطفي بها، حاولت أن أنقل صورة عمّا فُقد، عمّا مُحي من المكان والذاكرة.
*وصفتَ هذا الفصل الجديد بأنه “أصعب نص كتبته في حياتك”. ما الذي جعل عملية الكتابة مؤلمة إلى هذا الحد؟ وهل فكرتِ يوماً بالتوقف؟
**ربما أجبت عن جزء من هذا السؤال في إجابتي السابقة. كانت عملية الكتابة صعبة لأنها شكّلت بالنسبة لي فعل حداد على غزَّة. لم يكن التوقف خياراً مطروحاً، فالرواية والكتابة كانتا الوسيلة الوحيدة التي أستطيع من خلالها التعامل مع مشاعري إزاء ما كان يحدث.
نبرة صحفية خاصة
*كيف تعاملتِ مع السؤال الذي كان يلاحقك أثناء الكتابة: “كيف نصف ما لا يمكن وصفه؟”، خاصة عندما يتعلّق الأمر بأشخاص لم يعودوا موجودين بيننا، وأماكن أُبيدت بالكامل؟
**سبق أن كتبتُ العديد من المقالات عن أحداث صعبة وصادمة بصيغة الخبر الصحفي. لكن كتابة نص شخصي عن أناس وأماكن كان لها أثر عميق في حياتي. كانت تجربة مختلفة تماماً. جرّبت نبرات متعددة، وأعدت الكتابة مرَّات عديدة، إلى أن وصلت إلى قناعة بأنني بحاجة إلى نبرة صحفية تجمع بين الطابع الشخصي والحيادي في آن واحد.
*عندما وصلك خبر إبادة عائلات عرفتِها لعقود، مثل عائلة الأشقر، كيف أثّر ذلك فيكِ كصحفية وكإنسانة؟
**تلقيت الخبر عبر مكالمة هاتفية من قريب يقيم في السويد، سبق أن التقيت به قبل سنوات طويلة. كانت ردَّة فعلي الأولى مرتبطة بكيفية معايشة العائلة في السويد لهذه الصدمة، ثم بدأت أستعيد في ذهني اللقاءات التي جمعتني بتلك العائلة في غزَّة، في منازلهم، ولدى أقارب لهم في أنحاء مختلفة من المدينة. إدراك أن العائلة الكبيرة بأكملها أُبيدت في غارة واحدة كان أمراً لا يُحتمل. لا أستطيع الفصل بين الصحفي والإنسان، أنا إنسانة تعمل في الصحافة.
* هل تخيّلت يوماً أن يصل الدمار في غزَّة إلى مستوى تختفي فيه أماكن محورية في كتابك، مثل “بيت مارنا” ومتحف الخضري، بالكامل؟
عطاء إنساني لاينضب
**لا. كان “بيت مارنا” يبدو مكاناً آمناً، ظلّ قائماً دون أذى منذ أربعينيات القرن الماضي، وكأنه محميّ بقربه من مستشفى الشفاء الذي كان حتى ذلك الحين بمنأى عن الهجمات الإسرائيلية المباشرة. كان الجيش الإسرائيلي يملك سيطرة دقيقة على عمران المدينة ويختار أهدافه بعناية، لكن بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحوَّلت غزَّة كلها إلى هدف عسكري. حتى “المتحف” – متحف الخضري – الواقع على الساحل وبعيداً نسبياً عن الكثافة العمرانية، اجتاحته القوات البرية الإسرائيلية ودُمّر بالكامل.
*أي مشهد إنساني من غزَّة عالق في ذاكرتك أكثر من غيره، ويعود إلى وعيك كلما بدأت الكتابة؟
**هذه استحالة. لقد التقيت بأعدادٍ لا تُحصى من الناس في ظروف غاية في التعقيد، ولا يمكنني تحديد ما هو الأعمق أثراً. الذكريات التي تطفو تعتمد على ما أكتبه في تلك اللحظة. غزَّة لا تنضب في تنوعها الإنساني.
*كيف أثّر عمق الثقة التي بنيتها مع صحفيين محليين، ومصورين، وعائلات، على أسلوبك السردي؟ وهل تشعرين اليوم بمسؤولية خاصة في نقل حكاياتهم؟
**سؤال صعب. الثقة بالزملاء والأصدقاء منحتني الجرأة والطمأنينة لأروي ما هو جوهري حقاً. وبالطبع، فإن نقل حكاياتهم مسؤولية تقع على عاتقي، فهي جوهر مهنتي، ودافعي الشخصي في آن واحد.
*عندما انقطعت الاتصالات وأصبحت إمكانية الوصول شبه معدومة، كيف تمكنتِ من تتبّع مصائر الأشخاص الذين كتبتِ عنهم في الطبعة الأولى من الكتاب؟ وما الجزء الأصعب في هذا اللغز؟
**أجبت جزئياً عن هذا السؤال في الإجابة الأولى. أمضيت نحو ستة أشهر في محاولة معرفة ما حلّ بأشخاص مختلفين. أكثر واحدٍ استغرق وقتاً للوصول إليه كان سائق التاكسي أشرف. كان يعيش في بيت حانون، إحدى ضواحي مدينة غزَّة، والتي سُويت بالأرض في مرحلة مبكرة. وقبيل عيد الفصح عام 2024، تلقيت فجأة رسالة منه عبر (واتساب). لقد أرسل لي صوراً له محاطاً بنحو اثني عشر طفلاً داخل خيمة. ومنذ ذلك الحين بقينا على تواصل، وتمكنت من متابعة تنقل العائلة الكبيرة بين مخيمات خيام مختلفة.
يقول أشرف إن معرفة أن هناك شخصاً خارج غزَّة يعرف ما يحدث هناك الآن أمر بالغ الأهمية بالنسبة له. وآخر ما وصلني منه كان اتصالاً يائساً عبر (واتساب)، وصف فيه بلغته الإنجليزية المحدودة كيف دمرت عاصفة مطرية عنيفة خيمتهم وجميع ممتلكاتهم، بعدما أغرقت مساحات واسعة من غزة.
فن نقل الحقيقة
*تصفين غزَّة بأنها مكان يستحيل مغادرته “دون أن يترك أثرًا”. برأيك، ما سر هذه القدرة لدى أهل غزة والمكان نفسه؟
**يصعب الإجابة بشكل عام. تجربتي الشخصية تتعلَّق أساساً بالناس: من السهل الحديث معهم، هم ودودون وفضوليون. يحاولون، رغم ظروفهم القاسية، مواجهة الحياة بالإبداع والإصرار على البقاء. لكن القمع الطويل والعنف الذي مارسته قوة الاحتلال تركا أيضاً جروحاً عميقة في المجتمع. كثيرون تضرروا بشدة، جسدياً ونفسياً.
*كيف غيَّرت تجربتك في غزَّة نظرتك إلى الصحافة، خصوصاً وأنتِ ترين كمًّا هائلًا من الواقع لا يصل أبداً إلى وسائل الإعلام العالمية؟
**لم تتغيَّر نظرتي إلى الصحافة. فجوهرها يبقى نقل الحقيقة بأكبر قدر ممكن من الوضوح والدقّة. أما ما يصل إلى العالم من أخبار، فهو محكوم بعوامل عديدة، لا تقتصر على الرقابة أو القيود على العمل الصحفي، بل تشمل أيضاً اعتبارات اقتصادية وسياسية لا يملك الصحفي الفرد القدرة على التأثير فيها.
*تم إيقافك مرة عند الحدود بسبب عنوان صحفي… ماذا علمتك تلك الحادثة عن حدود حرية الصحافة؟
**في الحقيقة، لم تعلّمني شيئاً جديداً. حرية الصحافة هي أول ما يسعى الحكّام غير الديمقراطيين إلى السيطرة عليه.
القيادات الفلسطينية لم تُظهر يوماً احتراماً حقيقياً لحرية الصحافة، كما أن قمع حرية التعبير من قبل حماس كان واضحاً منذ سيطرتها على غزة عام 2007. ما أدركته عندما أوقفتني الأجهزة الأمنية لحماس عند الحدود هو أن جهاز المراقبة لديهم كان أكثر تطوراً مما توقعت: لم يكونوا يتابعون الإعلام الناطق بالإنجليزية فقط، بل حتى لغة صغيرة مثل السويدية.
*بعد كل هذه السنوات والقيود، هل ما زلت تعتقدين أن الصحافة العادلة والحرة ممكنة في منطقة يُمنع فيها الصحفيون الدوليون من الدخول، ويواجه الصحفيون الفلسطينيون مخاطر القمع؟
**لم أؤمن يوماً بإمكانية وجود صحافة عادلة وحرة في أي مكان في الشرق الأوسط، ولا حتى في إسرائيل التي تعتبر نفسها ديمقراطية. في المقام الأول، تُقيَّد وسائل الإعلام المحلية عبر الرقابة وأشكال مختلفة من التضييق على الصحفيين. كما تُعرقل وسائل الإعلام الدولية من خلال منع الصحفيين الأجانب من الوصول.
عالمة آثار تنقب عن أنقاض إنسانية
*ذكرتِ أنك لو عشتِ حياة أخرى لكنتِ اخترت أن تكوني عالمة آثار. هل تشعرين اليوم أنك تنقّبين عن “أنقاض إنسانية” – مصائر وحيوات – كما تُنقَّب الآثار القديمة؟
**وصف مترجمي وليد الهليس لقصصي عن غزَّة بأنها “نوع من العمل الأثري اللغوي” يبدو اليوم مؤلماً في دقّته، بعدما تحوَّلت الأماكن والبشر في كتابي إلى أنقاض. خلال بحثي للكتاب، أدركت فعلياً مدى إثارة علم الآثار. زرت عدَّة مواقع تنقيب في غزَّة، وأُعجبت بعمق كيف تختبئ آلاف السنين من الوجود الإنساني تحت الرمال.
كيف وازنتِ بين ذاكرتك الشخصية الممتدة لأربعين عاماً في غزَّة، ومتطلَّبات الموضوعية الصحفية أثناء كتابة الطبعة الجديدة؟
**كتابة كتاب ليست كالتقارير الإخبارية. في الكتاب، أمتلك حرية كاملة لاستخدام معرفتي بشكل أكثر ذاتية، بما في ذلك اختيار ما أريد سرده وما أتركه خارج النص.
*بعد كل ما رأيتِ وكتبتِ، ما الرسالة التي تتمنى أن يحملها القرَّاء العرب من كتابك؟ وما الذي تأملي في ألا ينساه العالم أبدًا عن غزة؟
**كتبت الكتاب لأن لديَّ ما أعتبره رسالة مهمة للقارئ السويدي، الذي كان بحاجة إلى أن يعرف أن غزَّة ليست مجرد مكان للبؤس والصراع الدموي. لم أتخيَّل أن الكتاب قد يهم القارئ العربي – فهم يعرفون كل هذا بالفعل.
*كيف اتخذت قرار الاستعانة بوليد الهليس مترجماً لكتابك إلى العربية؟
**المبادرة جاءت من وليد الهليس نفسه. لقد اقترح ترجمة الكتاب إلى العربية قبل خمسة عشر عاماً، عندما صدرت طبعته الأولى. ضاع اقتراحه مع مرور الوقت، إلى أن أخبرني زميل في غزة بأن الفصول الأولى من الكتاب نُشرت على موقع عربي. لاحقاً تواصلت مع وليد في غوتنبرغ، ووجدنا دار نشر مستعدة لإصدار الترجمة. وأكّد عدد من الناطقين بالعربية أن ترجمته كانت ممتازة. وأثناء عمله على الترجمة، بدأت الهجمة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر / تشرين الأول، فكان عليَّ كتابة مقدمة جديدة وفصل ختامي إضافي، وأقنعت الناشر السويدي بإصدار طبعة جديدة من الكتاب.
