الأربعاء, 10 يونيو 2026

نادراً ما يتحوَّل نقاش ثقافي فلسطيني إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود الأدب والسينما لتصل إلى أسئلة الملكية الفكرية والذاكرة الوطنية وتمثيل التاريخ. لكن هذا ما حدث مع الجدل الدائر بين الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله والمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر حول فيلم «فلسطين 36» وعلاقته المحتملة برواية «زمن الخيول البيضاء».

بدأت القضية بعد عرض الفيلم في مهرجانات دولية كبرى وحضوره الواسع نقدياً وجماهيرياً، قبل أن يثير إبراهيم نصر الله تساؤلات علنية حول أوجه التشابه بين الفيلم وروايته الشهيرة «زمن الخيول البيضاء»، وهي الرواية التي تُعد إحدى أبرز المحطات في السرد الفلسطيني المعاصر. ومع تصاعد النقاش، انتقل الخلاف من المجال الثقافي إلى المجال القانوني، ليطرح سؤالاً قديماً يتجدد باستمرار: أين ينتهي التناص المشروع ويبدأ الاقتباس غير المعلن؟

ما الذي يجعل القضية معقَّدة؟

لو كان الأمر يتعلق بحبكة متطابقة أو بنقل حرفي لأحداث روائية محددة، لكان الحسم أسهل نسبياً. لكن المشكلة هنا أكثر تعقيداً. فكل من الرواية والفيلم يتحركان داخل فضاء تاريخي مشترك هو فلسطين في زمن الثورة الكبرى بين عامي 1936 و1939، وهي فترة شكلت منعطفاً حاسماً في التاريخ الفلسطيني الحديث.

عندما يعود أكثر من فنان أو كاتب إلى الحقبة نفسها، فمن الطبيعي أن تتكرر بعض الأسماء والوقائع والرموز والشخصيات النموذجية. فالثورة الفلسطينية الكبرى ليست ملكاً لأحد، كما أن الذاكرة الوطنية ليست حكراً على عمل إبداعي واحد. لكن في المقابل، فإن تراكم عدد كبير من التشابهات في الشخصيات والبنى الدرامية والعلاقات السردية قد يثير أسئلة مشروعة حول مصادر الإلهام والاقتباس وحدودهما. لهذا السبب لا تبدو القضية مجرد نزاع قانوني على حقوق الملكية الفكرية، بل نقاشاً حول طبيعة الإبداع نفسه.

الرواية والسينما: لغتان مختلفتان

ثمة فارق جوهري كثيراً ما يغيب عن النقاشات المحتدمة. فالرواية ليست السيناريو، والسينما ليست الأدب. الرواية تستطيع أن تمتد مئات الصفحات، وأن تتوغل في التفاصيل النفسية والتاريخية، بينما يحتاج الفيلم إلى الاختزال وإعادة البناء والتركيب. ولهذا فإن معظم الأعمال السينمائية الكبرى المقتبسة من الأدب لا تنقل النصوص حرفياً، بل تعيد إنتاجها بصرياً وفق شروط مختلفة.

في تاريخ السينما العالمية والعربية عشرات الأمثلة على أعمال استلهمت روايات أو وقائع تاريخية دون أن تكون اقتباساً مباشراً. ولهذا فإن التشابه وحده لا يكفي دائماً لإثبات الاقتباس، تماماً كما أن اختلاف الوسيط الفني لا يلغي احتمال الاستفادة من عمل سابق.

آن ماري جاسر وإبراهيم نصر الله: مشروعان فلسطينيان مختلفان

اللافت في هذا الجدل أن طرفيه ليسا شخصيتين هامشيتين في الثقافة الفلسطينية. إبراهيم نصر الله واحد من أبرز الروائيين العرب المعاصرين، وقد شكّلت «الملهاة الفلسطينية» مشروعاً أدبياً ضخماً لتوثيق التحولات الفلسطينية عبر أجيال متعددة. أما «زمن الخيول البيضاء» تحديداً فقد رسخت مكانتها كواحدة من أهم الروايات التي تناولت فلسطين ما قبل النكبة.

في المقابل، تنتمي آن ماري جاسر إلى أبرز الأصوات السينمائية الفلسطينية في العقود الأخيرة، ونجحت عبر أفلامها في نقل التجربة الفلسطينية إلى جمهور عالمي واسع، مع اهتمام خاص بالمنفى والهوية والذاكرة. لهذا يبدو مؤسفاً أن يتحوَّل النقاش بين مشروعين ثقافيين فلسطينيين إلى معركة استقطاب حادة، ينقسم فيها الجمهور بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك.

ما الذي يقوله الجدل عن الثقافة الفلسطينية؟

ربما تكمن أهمية القضية الحقيقية في أنها تكشف حيوية المشهد الثقافي الفلسطيني أكثر مما تكشف حجم الخلاف نفسه. فلسطين ليست فقط موضوعاً سياسياً أو قضية تحرر وطني. إنها أيضاً فضاء إنتاج ثقافي متواصل، تتجاور فيه الرواية والسينما والشعر والفنون البصرية. ومن الطبيعي أن تتقاطع هذه الفنون أحياناً وأن تتنافس أحياناً أخرى على تمثيل الذاكرة الجماعية.

المفارقة أن الجدل الحالي أعاد الاهتمام إلى الثورة الفلسطينية الكبرى نفسها، وإلى الأعمال الفنية التي تناولتها، وربما دفع كثيرين إلى قراءة «زمن الخيول البيضاء» أو مشاهدة «فلسطين 36» للمرة الأولى.

بين المحكمة والتاريخ

قد تحسم المحاكم في النهاية ما إذا كان هناك اقتباس غير معلن أو انتهاك لحقوق الملكية الفكرية. لكن القضاء، مهما كانت أهميته، لن يحسم سؤالاً أكثر عمقاً يتعلَّق بالعلاقة بين التاريخ والإبداع. فالتاريخ مادة مشتركة، أما الفن فهو طريقة إعادة تخيّل هذا التاريخ وصياغته. وهنا تحديداً تقع المنطقة الرمادية التي يصعب رسم حدودها بدقة.

لهذا ربما يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية قبل اكتمال المسار القانوني وظهور التفاصيل الكاملة للقضية. أما ثقافياً، فإن أفضل ما يمكن أن يخرج من هذا الجدل هو فتح نقاش جدي حول أخلاقيات الاقتباس، وحقوق المبدعين، وكيفية الاعتراف بالمصادر الأدبية عند الانتقال من وسيط إلى آخر.

في النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس: من انتصر في هذا الخلاف؟ بل: كيف يمكن للثقافة الفلسطينية أن تحافظ على تعدد أصواتها، وهي تروي القصة نفسها بأشكال مختلفة؟ فالتاريخ الفلسطيني أكبر من رواية واحدة، وأكبر من فيلم واحد أيضاً، لكنه يحتاج دائماً إلى قدر أكبر من الحوار، وقدر أقل من الخصومات.

اترك تعليقاً

Exit mobile version