في همّاركوللن، إحدى ضواحي يوتيبوري، لم يكن اسم نوربرتو دانيال كورناليا معروفاً بقدر ما كان لقبه: بيلوسا.
خمسة وعشرون عاماً قضاها في مركز الشباب ميكسغوردن (Mixgården) جعلت منه واحداً من أولئك الذين لا يمكن فصلهم عن المكان، ولا فصل المكان عن الحكايات التي صنعها مع أجيال من الشباب.
رحل بيلوسا، لكن صورته التي تركها في همّاركوللن أكبر من وظيفة أو سنوات عمل. كان يرى في مركز الشباب مساحة لبناء الإنسان، لا مجرد مكان لقضاء الوقت، وكان يؤمن بأن العمل مع الشباب لا يبدأ وينتهي بلعبة تنس الطاولة، بل يبدأ من العلاقة، ومن الثقة، ومن الحديث عن القيم والنُظم والمجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. في إحدى الشهادات التي تركها، قال بيلوسا عن نفسه: «لقد وجدت مكاني على الأرض، هنا في همّاركوللن، في ميكسغوردن. لم تكن العبارة مجازاً عابراً بالنسبة إليه. لقد كان يشعر بأنه ينتمي إلى المكان وإلى جماعة العمل فيه، ويكرر فكرته الأساسية: “أنا أنتمي إلى جماعة، وحدي لا “أساوي شيئاً. للفرد أهميته، نعم، لكن القوة تكمن في الجماعة.
“ْمن “زغبة” إلى “جدّْ
كان لقب بيلوسا جزءاً من هويته. كان يشرح أمام كثيرين بشيء من المزاح أن الكلمة شائعة في أميركا اللاتينية كلقب يُمنح للناس، وأن معناها هو “زغبة“ أو كتلة صغيرة من الغبار، ولطالما حكى عن طفولته ضاحكاً،كيف كان صغير الحجم، ويتحرّك في كل مكان، مثل ذرّات الغبار التي لا تستقر في مكان واحد. لكن “الزغبة” التي حملها طوال حياته لم تكن بلا اتجاه. انتهت رحلتها في همّاركوللن، حيث وجد بيلوسا، كما قال، المكان الذي يستطيع فيه أن يحوّل أفكاره ومشاعره إلى فعل.
كان رجلاً اجتماعياً، يقول عن نفسه إنه يواجه الآخرين بشغف وفضول. حين يلتقي إنساناً جديداً، كان يريد أن يعرف من أمامه، وأن يلتقيه “بمشاعر، لا أن يضع حدوداً أو يختبئ”. وفي عبارته الطريفة عن نفسه يقول إنه يكون “عارياً في اللقاء، أما الملابس فتأتي لاحقاً”. وراء هذا المزاح كانت هناك فلسفة في التعامل مع الناس، فالعلاقة الإنسانية لا يمكن أن تقوم على المسافة والخوف، وأن الإصغاء والفضول والاحترام هي بداية أي عمل اجتماعي حقيقي.
بيلوسا وجد مكانه على الأرض في ميكسغوردن، وربما كان أجمل ما تركه وراءه أنه ساعد آخرين، بدورهم، على أن يجدوا مكانهم، وكان يؤمن أن هذا العمل، مهما بدا صغيراً، يستحق أن يستمر، لأن عالماً أفضل ممكن.
ميكسغوردن.. أكثر من مكان للّعب
ارتبط اسم بيلوسا بميكسغوردن في وقت كان النقاش في السويد يدور حول دور مراكز الشباب في الوقاية من الجريمة، وقد أثار رأي عالم الجريمة المعروف ييرزي سارنيكي، الذي شكّك في قدرة مراكز الشباب على الوقاية من الجريمة، اعتراض العاملين في ميكسغوردن. لم يكن لديهم، هم أنفسهم، أرقام إحصائية يستطيعون تقديمها لإثبات أن المركز منع عدداً محدداً من الجرائم، لكنهم كانوا يتحدّثون عن شيء آخر: السنوات الطويلة من العلاقات التي بنوها مع الشباب، ومراقبتهم لمسارات حياتهم عبر الزمن.
وفي دراسة أجراها الباحثان توماس يوردان وبيا أندرسون عام 2006، والتي تناولت تجربة ميكسغوردن، ظهرت أهمية هذا النموذج، إلا أن الباحثين شددا في الوقت نفسه على صعوبة القياس الكمّي المباشر للتأثيرات الوقائية من الجريمة، وأن الدراسة لم تكن تقييماً تجريبياً لهذه الآثار، وهنا تحديداً تكمن أهمية تجربة بيلوسا وزملائه: لم يكونوا يدّعون امتلاك معادلة بسيطة تقول إن “مركز الشباب يمنع الجريمة“، وإنما كانوا يتحدّثون عن عمل طويل النفس، وعن شباب يمكن أن يسلكوا طريقاً خاطئاً، ثم يجدون في مرحلة ما شخصاً بالغاً يراهم، يسمعهم، ويمنحهم مكاناً آخر ينتمون إليه. كان العاملون في ميكسغوردن يقولون بوضوح: “نحن لا نريد فقط أن نلعب تنس الطاولة مع الشباب”. الهدف كان أعمق: الحديث عن القيم والمعايير، وعن نوع المجتمع الذي نريد بناءه، وعن التربية الديمقراطية.
أن تكون للشباب مساحة أخرى
كان بيلوسا يرى أن الشباب لا يحتاجون فقط إلى مكان آمن يجتمعون فيه، بل إلى مساحة يستطيعون فيها التعبير عن غضبهم وإحباطهم، وفهم المجتمع من حولهم، والتأثير فيه بطرق بنّاءة. ويذكر العاملون في ميكسغوردن فترة شهدت فيها أجزاء مختلفة من يوتيبوري حرائق سيارات وأعمال احتجاج، بينما لم تشهد همّاركوللن الظاهرة نفسها بالشكل ذاته. بالنسبة إليهم، لم يكن ذلك دليلاً إحصائياً على أثر المركز، لكنه كان تجربة عاشوها ورأوا فيها كيف استطاع بعض الشباب تحويل غضبهم إلى أشكال أخرى من المشاركة والتأثير، بما في ذلك التعرّف إلى الطرق السياسية والديمقراطية للتعبير عن مطالبهم.
كان هذا هو معنى العمل بالنسبة لبيلوسا: ألا يُطلب من الشاب فقط أن يكون “هادئًا“، بل أن يتعلّم كيف يحوّل غضبه إلى فعل، وكيف يحوّل إحساسه بالظلم إلى مشاركة، وكيف يصبح جزءاً من المجتمع بدل أن يشعر بأنه خارجه.
الغالبية شباب عاديون
كان ميكسغوردن يستقبل، بحسب العاملين فيه، نحو مئة شاب وشابة في الأمسيات، وكان عدد الفتيات كبيراً إلى درجة أنهن كنّ في بعض الفترات يشكلن الأغلبية، وهذه النقطة كانت مهمة في فلسفة المكان، فمركز الشباب الجيد، كما يرى الباحث نيكولاوس كوتاكيس، يجب أن يجذب أنواعاً مختلفة من الشباب: فتيات وفتياناً، وشباباً من خلفيات اجتماعية متعددة.
كان العاملون في ميكسغوردن يقدّرون أن نحو 80 في المئة من زوّاره“شباب عاديون”، أما الذين يقتربون من ثقافة إجرامية، فكان الهدف ألا يُسمح لهم بفرض ثقافتهم على المكان، ولهذا كانت هناك قواعد واضحة، وحتى حالات إبعاد مؤقت لمن يخالفون قيم المركز، لكن الإبعاد لم يكن، في تصور بيلوسا وزملائه، عقوبة نهائية. كان الشاب يغادر لفترة قصيرة، ثم تأتي مرحلة الحديث معه ومع والديه، في محاولة لإعادة توجيه السلوك. “كل ما نفعله هدفه المساعدة”، كانت الفكرة التي تحكم هذا الأسلوب.
بيلوسا والمهاجر الذي حمل ذاكرة الأرجنتين
ربما لا يمكن فهم بيلوسا من دون العودة إلى جذوره الأرجنتينية. كان ينتمي إلى جيل لاتيني خسر الكثير بسبب الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، وقد حمل معه تلك الذاكرة إلى السويد، لكنه لم يسمح لها بأن تبقى مجرد جرح شخصي. عبر ميكسغوردن، وجد وسيلة لتحويل الإحباط والغضب اللذين ورثهما من وطنه إلى عمل من أجل مجتمع أكثر عدلاً. قال بوضوح إن حلمه هو “مجتمع عادل، مع فرص متساوية للجميع“، وكان يرى أن إدماج القادمين الجدد ليس شعاراً، بل عملاً يحتاج إلى فهم للتربية والاندماج والشمول والحشد الاجتماعي، وكان يعتقد أن المجتمع متعدد الثقافات، مثل أنغيريد، يحتاج إلى أشخاص يفهمون هذه المسائل ويستطيعون العمل معها من الداخل، وفي هذا المعنى كان بيلوسا نفسه جزءاً من الإجابة: مهاجر يحمل ذاكرة بلده، لكنه لم يبقَ أسيراً لها، رجل وجد في السويد مكاناً يستطيع فيه أن يواصل المعركة نفسها من أجل العدالة والمساواة، ولكن بأدوات جديدة.
“أؤمن بأن عالماً أفضل ممكن”
لعلَّ أجمل ما بقي من بيلوسا هو هذه الكلمة البسيطة التي اختصر فيها نظرته إلى الحياة: “يجب أن نعمل من أجل إدماج وشمول الذين يأتون إلى هنا جدداً… وأن نؤمن. ليس إيماناً دينياً، وإنما الإيمان بأن عالماً أفضل ممكن”.
كان يؤمن بقوة الجماعة، وبأهمية أن يشعر الإنسان بأنه ينتمي إلى مكان، وكان يرى في العمر والخبرة مسؤولية أيضاً. تحدَّث عن أن الشباب يرونه رجلاً أكبر سنّاً، حكيماً ومستقراً، وأن على الرجل الأكبر أن يحظى بالاحترام، لكن الزمن منحه شيئًا آخر: “لقب الجدّْ”، ومن “الزغبة” الصغيرة التي كانت تتحرّك في كل مكان في طفولته، إلى “الجدّْ” الذي عرفه شباب همّاركوللن، تمتد حياة رجل جعل من العلاقات الإنسانية عملاً يومياً، ومن مركز الشباب بيتاً تربوياً، ومن ذاكرة الهجرة قوة للعمل من أجل الآخرين. لم يكن بيلوسا يرى نفسه بطلاً منفرداً. على العكس، كان يصر على أن “الفرد له أهميته، لكن القوة موجودة في الجماعة”.
وربما لهذا السبب تحديداً يصعب الحديث عن رحيله بوصفه نهاية حكاية شخص واحد، فالأشخاص الذين أمضوا سنواتهم في ميكسغوردن لم يكونوا، في نظره، “زوّاراً” لمركز شباب. كانوا جزءاً من جماعة، من ذاكرة، ومن مكان.
وهناك، في همّاركوللن، بقي أثر بيلوسا: في العلاقات التي بناها، وفي الشباب الذين عرفهم، وفي زملائه، وفي فكرة بسيطة لكنها شديدة القوة — أن العمل من أجل الإنسان قد يبدأ من باب مركز شباب، ومن حديث عابر، ومن ثقة تُبنى ببطء، لكنه يمكن أن يمتد إلى أبعد بكثير من ذلك.
بيلوسا وجد مكانه على الأرض في ميكسغوردن، وربما كان أجمل ما تركه وراءه أنه ساعد آخرين، بدورهم، على أن يجدوا مكانهم، وكان يؤمن أن هذا العمل، مهما بدا صغيراً، يستحق أن يستمر، لأن عالماً أفضل ممكن.
