الثلاثاء, 7 أبريل 2026

في أعماق صهاريج فريدريكسبيرغ المظلمة في كوبنهاغن، حيث يلتقي الصمت بالبرودة والرطوبة، يُعرض العمل الأوبرالي-السينمائي «سبع وفيات» للفنانة الصربية العالمية مارينا أبراموفيتش، في تجربة بصرية وصوتية تسعى إلى إعادة استحضار أسطورة الأوبرا ماريا كالاس، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً مقلقاً: هل ما زالت الفنانة حاضرة فعلاً في عملها؟

تجربة تحت الأرض: الفن في مواجهة المكان

منذ اللحظة الأولى للنزول إلى الفضاء تحت الأرض، يجد الزائر نفسه داخل عالم شبه جنائزي، حيث تتردد أصداء الصوت في قاعة تمتد على أكثر من أربعة آلاف متر مربع. في هذا الفضاء، تتحول الصهاريج إلى مسرح بصري ضخم تُعرض عليه سبعة مشاهد موت، تؤدي فيها أبراموفيتش أدواراً مستوحاة من أشهر الشخصيات الأوبرالية التي غنّتها كالاس.

العمل، الذي أُنتج عام 2020، جال سابقاً على دور أوبرا كبرى في باريس ولندن وبرلين، لكنه يكتسب هنا بعداً مختلفاً بفعل الموقع: ليس مجرد عرض، بل تجربة حسية كاملة تفرض على المتلقي الحضور الجسدي في مواجهة العمل.

الجمال البصري مقابل غياب الأداء الحي

على المستوى البصري، يقدّم العمل صوراً آسرة ومصقولة بعناية. الموسيقى—وخاصة صوت كالاس—تحافظ على حضورها الطاغي، فيما تظهر أبراموفيتش في حالات موت متعددة، تتراوح بين التراجيديا والأداء الرمزي.

لكن، وعلى عكس أعمالها الأدائية السابقة التي عُرفت بحدّتها وجرأتها، يبدو أن العنصر الحيّ مفقود هنا. فالفنانة التي بنت شهرتها على المخاطرة الجسدية والتفاعل المباشر مع الجمهور، تحضر في هذا العمل كصورة سينمائية أكثر منها كجسد في حالة اختبار.

ويليم دافو: حضور طاغٍ في الظل

يبرز حضور الممثل ويليم دافو كأحد أكثر العناصر تأثيراً في العمل. رغم دوره المساند، فإن أداؤه الهادئ والمكثف يترك أثراً أقوى من بعض مشاهد أبراموفيتش نفسها، خاصة في لحظات الصمت أو المواجهة البصرية.

في أحد المشاهد، يسير دافو وسط الجمر بملابس مسرحية مبالغ فيها، في لقطة تجمع بين السخرية والتراجيديا، وتكشف عن توتر خفي بين الجدية الأوبرالية والصورة النمطية.

بين الاستعادة والتكرار

يستدعي العمل بشكل واضح أعمال أبراموفيتش السابقة، مثل أدائها الشهير مع أولاي في عمل «طاقة الراحة». غير أن هذه الاستعادات تبدو أقرب إلى تكريم للماضي منها إلى إضافة جديدة.

في مشهد «لوسيا»، حيث تُلطّخ أبراموفيتش وجهها بالدماء، يظهر الفعل أقرب إلى إعادة تمثيل واعٍ لذاته، مقارنة بقوة أعمالها السابقة مثل «باروك البلقان»، حيث كان الألم حقيقياً والرهان وجودياً.

تجربة حسية… لكن بلا مخاطرة

رغم قوة الصورة وجمال الموسيقى، يبقى العمل محكوماً بإطار سينمائي منضبط، يفتقد إلى عنصر الخطر الذي ميّز تجربة أبراموفيتش لعقود. فبدلاً من مواجهة حقيقية بين الجسد والحدود، نجد أنفسنا أمام عمل مُتقن، لكنه آمن.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن «سبع وفيات» يقدّم لحظات مؤثرة، خاصة حين يتداخل الصمت مع الفضاء، ويتحوّل الزمن إلى عنصر ضاغط على الحواس.

الخلاصة: أثر كبير… وحضور غائب

يُعدّ «سبع وفيات» تجربة بصرية وصوتية مبهرة، لكنه يترك انطباعاً مزدوجاً:
عمل يحتفي بتاريخ فنانة كبرى، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن مسافة بينها وبين جوهر تجربتها الأصلية.

ربما لهذا السبب، يخرج المتلقي برغبة لا في إعادة مشاهدة العمل، بل في العودة إلى بدايات أبراموفيتش—حيث كان الأداء حقيقياً، والمخاطرة قائمة، والفنانة… حاضرة بالكامل.


اترك تعليقاً

Exit mobile version