الأحد, 11 يناير 2026

تُعد ظاهرة لاكي لوتشيانوالنقطة التي تحوَّل فيها الإجرام من عصابات شوارع إلى مؤسسةعابرة للحدود، حيث نجح في عولمة المافيا ونقلها من العنف العشوائي إلى منطق الشركات الكبرى. هذا التحوّل جعل لوتشيانو أيقونةتتجاوز التاريخ لتستقر في صلب السينما والواقع المعاصر. فالمجرم اليوم لم يعد يختبئ في الظلال، بل يدير إمبراطوريته بمنطق اللوجستياتالدولية، تماماً كما فعل لوتشيانو حين أسس اللجنةلإدارة الصراعات بمنطق سيادي.

وهنا بالضبط برزت عبقرية المخرج الإيطالي فرنشيسكو روزي في فيلمه الشهير (بالعنوان نفسه)، فهو لم يصوّر لوتشيانو كمجرد رجل عصابةيطلق النار، بل قدّمه كرجل دولة في الظل. فهو المفاوض الاستراتيجي الذي يبرم الصفقات مع القوى العظمى لتغيير مسار الحروب، فإطلاق سراحه من السجون الأمريكية مقابل تأمين الموانئ وتسهيل غزو صقلية لم يكن مجرد صفقة قانونية، بل كان اعترافاً رسمياً من الدولةبأن لوتشيانو يمتلك سيادة موازية وسلطة تنظيمية لا تملكها الجيوش النظامية.

هنا يبدو واقعنا المعاصر كأنه سيناريوممتد لرؤية روزي، حيث تتداخل المصالح السياسية مع الشبكات الإجرامية المؤسساتية لدرجة الانصهار. روزي أدرك أن قوة لوتشيانو لم تكن في مسدسه، بل في قدرته على الجلوس على طاولة واحدة مع القوى العظمى كطرف ند، مما جعل السينما في هذا الفيلم وثيقة سياسية تشرح كيف تُدار المصالح الكبرى في الغرف المظلمة، وكيف يتحوّل المجرمإلى شريك في صناعة التاريخ حين تتقاطع مصلحته مع مصلحة الدول.


اترك تعليقاً

Exit mobile version