في أقصى الجنوب الألباني، حيث يلتقي البحر الأدرياتيكي بالبحر الأيوني، تقبع جزيرة سازان كقطعة معلقة على جدران أزمنة غابرة. جزيرة صغيرة نسبياً، لكنها تحمل تاريخاً أكبر من مساحتها بكثير. كانت يوماً قاعدة عسكرية مغلقة، وموقعاً استراتيجياً تنافست عليه الإمبراطوريات والجيوش، قبل أن تتحوّل فجأة إلى موضوع نزاع جديد بين المستثمرين والناشطين البيئيين والمحتجين في شوارع العاصمة تيرانا.
القصة بدأت عندما أعلنت شركة مرتبطة بجاريد كوشنير، زوج إيفانكا ترامب، عن مشروع ضخم لتحويل الجزيرة ومناطق ساحلية مجاورة إلى منتجعات فاخرة ومرافئ لليخوت وفيلات مخصصة للأثرياء. المشروع الذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات حصل على دعم مباشر من الحكومة الألبانية التي ترى فيه فرصة تاريخية لتحويل البلاد إلى وجهة سياحية عالمية. لكن آلاف الألبان خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على ما يعتبرونه بيعاً لأحد آخر الأماكن البكر في بلادهم.
حصن شيوعي
في الظاهر يبدو الأمر مجرد خلاف حول مشروع استثماري، لكن تحت السطح تظهر أسئلة أكثر تعقيداً: من يملك المكان؟ ومن يملك الحق في إعادة تعريفه؟ طوال القرن العشرين كانت سازان جزيرة عسكرية مغلقة. الإيطاليون استخدموها، ثم السوفييت، ثم النظام الشيوعي الألباني الذي حوّلها إلى حصن دفاعي يعج بالأنفاق والتحصينات. كانت جزءاً من ذاكرة الحرب الباردة، ومن مخيّلة الدولة الاشتراكية التي كانت ترى في الجغرافيا جزءاً من السيادة الوطنية. اليوم يُراد للجزيرة نفسها أن تصبح “جنَّة متوسطية” للأثرياء القادمين من الخارج. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتغيير وظيفة المكان، بل بتغيير معناه بالكامل.
مشروع استهلاكي
لقد اعتادت الرأسمالية المتأخرة أن تتعامل مع المدن والمواقع التاريخية باعتبارها موادَّ خاماً للاستثمار. الموانئ القديمة تتحوَّل إلى مجمعات سكنية فاخرة. المصانع المهجورة تصبح مراكز للفنون الراقية، وحتى مواقع الحروب والكوارث تتحوَّل أحياناً إلى مزارات سياحية، لكن جزيرة سازان تمثل مرحلة أبعد من ذلك: إنها محاولة لتحويل ذاكرة كاملة إلى منتج استهلاكي. المفارقة أن المشروع يُسوّق باعتباره مشروعاً “بيئياً” أو “إيكولوجياً“، بينما يثير اعتراضات واسعة من منظمات بيئية تقول إن الجزيرة ومحيطها جزء من نظام طبيعي هشّْ يضم أنواعاً نادرة من الطيور والحيوانات البحرية، ويخشى المعارضون أن يؤدي المشروع إلى تغيير لا رجعة فيه في واحدة من أكثر المناطق حساسية بيئياً على الساحل الألباني.
مرحلة جديدة من النيوليبرالية
لكن البعد البيئي ليس سوى وجه واحد من الأزمة، فالاحتجاجات التي شهدتها ألبانيا خلال الأيام الأخيرة لم تكن احتجاجات بيئية فقط، بل كانت أيضاً احتجاجات ضد نموذج اقتصادي كامل. كثير من المتظاهرين لا يرون في المشروع مجرد منتجع فاخر، بل يرون فيه تجسيداً لمرحلة جديدة من النيوليبرالية التي تبيع المجال العام قطعة قطعة، وتحوّل الدولة إلى وسيط بين رأس المال العالمي والأرض المحلية.
وما يجعل القضية أكثر حساسية أن ألبانيا نفسها تعيش منذ سنوات تحوّلات اقتصادية عميقة، فبعد انهيار النظام الشيوعي في التسعينيات دخلت البلاد بقوة في اقتصاد السوق. لكن الانتقال لم يكن سلساً دائماً، فقد ترافق مع موجات خصخصة واسعة، وهجرة جماعية، وصعود طبقات اقتصادية جديدة، فيما ظلَّ جزء كبير من المجتمع يشعر بأن ثمار النمو لا تصل إليه بالقدر نفسه. لهذا لا يرى كثرٌ من المحتجين في مشاريع المنتجعات الفاخرة تنميةً حقيقية بقدر ما يرونها شكلاً جديداً من أشكال الإقصاء، فالفنادق المغلقة، والمرافئ الخاصة، والشواطئ المحجوزة للأثرياء لا تنتج بالضرورة شعوراً بالمشاركة، بل قد تعمّق الإحساس بأن المكان يُنتزع من سكانه الأصليين لصالح زوّار عابرين يملكون القدرة على الدفع. وهنا تبرز مفارقة لافتة، فالعالم الذي بشّر بالعولمة بوصفها وعداً بالانفتاح والحرية أصبح ينتج في كثير من الأحيان فضاءات أكثر انغلاقاً. المنتجعات الحديثة ليست مجرد أماكن للراحة، بل جزر اجتماعية معزولة داخل الدول نفسها. إنها عوالم مكتفية بذاتها، لها أمنها الخاص وخدماتها الخاصة وأسعارها الخاصة، وكأنها دول صغيرة داخل الدولة. ولعلَّ هذا ما يفسّر الطابع العاطفي للاحتجاجات الألبانية، فالمتظاهرون لا يدافعون فقط عن جزيرة أو شاطئ، بل عن فكرة أوسع تتعلّق بحق الناس في الوصول إلى الأماكن التي تشكّل جزءاً من تاريخهم المشترك. إنهم يواجهون سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل يمكن اختزال قيمة المكان في سعره السوقي؟ من منظور ثقافي، تمثّل جزيرة سازان أيضاً صراعاً بين نوعين من الذاكرة. ذاكرة محلية مرتبطة بالسكان والتاريخ والتجارب المتراكمة عبر الأجيال، وذاكرة استهلاكية جديدة ترى المكان بوصفه تجربة سياحية قابلة للتسويق عالمياً. في الحالة الأولى يكون المكان حاملاً للمعنى، وفي الثانية يصبح حاملاً للقيمة المالية، ولهذا فإن الجدل الدائر حول الجزيرة يتجاوز أسماء المستثمرين أنفسهم، فسواء كان المشروع مرتبطاً بكوشنير أو بغيره، تبقى القضية الأساسية هي العلاقة المتوترة بين رأس المال العالمي والمجتمعات المحلية، وهي علاقة أصبحت إحدى السمات الرئيسية لعصرنا.
أثينا على خط الأزمة
على أي حال، فإن الجدل الدائر حول جزيرة سازان لم يبق شأناً ألبانياً داخلياً خالصاً، فمع تصاعد النقاش حول المشروع الاستثماري الضخم، دخلت أثينا هي الأخرى على خط الأزمة، مستندة إلى حساسيات تاريخية ترتبط بالأقلية اليونانية في جنوب ألبانيا، وبملفات قديمة تتعلَّق بالهوية والملكية والحدود البحرية في المنطقة. وهكذا تحوّلت الجزيرة الصغيرة الواقعة عند بوابة البحر الأدرياتيكي إلى نقطة التقاء بين اعتبارات اقتصادية معاصرة وأسئلة تاريخية لم تُحسم بالكامل منذ عقود، ففي البلقان لا تُقاس قيمة الأمكنة بمساحتها الجغرافية وحدها، بل بما تختزنه من ذاكرة ورموز وانتماءات متداخلة. لذلك لم تعد سازان مجرد قطعة أرض مرشَّحة لاستقبال منتجعات فاخرة ومرافئ لليخوت، بل أصبحت جزءاً من سجال أوسع حول معنى السيادة وحق المجتمعات المحلية في تقرير مصير أمكنتها، وبينما تنظر الحكومة الألبانية إلى المشروع بوصفه فرصة للتنمية وجذب الاستثمارات، يرى منتقدوه أن القضية تتجاوز الاقتصاد إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يمكن تحويل الأماكن المحمّلة بالتاريخ والذاكرة الجماعية إلى أصول مالية خاضعة لمنطق السوق وحده؟
مال عابر للحدود
من هذه الزاوية تبدو سازان نموذجاً مكثفاً لعالم معاصر تتقاطع فيه الدولة القومية مع رأس المال العابر للحدود، فيما تعود الهويات المحلية والتاريخية إلى الواجهة كلما شعرت بأن الجغرافيا التي شكّلت ذاكرتها مهددة بالتحول إلى سلعة. ولذلك فإن الصراع حول الجزيرة لا يدور فقط بين مؤيدين ومعارضين لمشروع استثماري، بل بين رؤيتين مختلفتين للمكان نفسه: مكان بوصفه وطناً وذاكرة وتاريخاً، ومكان بوصفه فرصة استثمارية قابلة للبيع والشراء.
ربما لا تنتهي هذه المعركة قريباً. وربما يُنفَّذ المشروع، أو يتعثّر أو يتغيّر شكله، لكن ما كشفت عنه الاحتجاجات الألبانية يظل مهماً بحد ذاته. لقد أعادت طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يبقى من الوطن عندما تتحوَّل الجغرافيا إلى استثمار، والذاكرة إلى أصل مالي، والطبيعة إلى مشروع عقاري؟ في هذا المعنى تصبح الجزيرة رمزاً لصراع أكبر يدور في أنحاء كثيرة من العالم.
فمن البندقية إلى برشلونة، ومن أثينا إلى دوبروفنيك، وربما، من عواصم ومدن عربية في وقت لاحق، وسواها من مدن وجزر حول العالم تتكرر القصة ذاتها: المدن تتحوّل إلى علامات تجارية، والسكان الأصليون يجدون أنفسهم غرباء داخل أمكنتهم. المكان لم يعد يُقاس بقيمته التاريخية أو الثقافية، بل بقيمته السوقية. وما لا يمكن بيعه يصبح عديم القيمة في نظر السوق.
معركة حول معنى الأرض
ألبانيا نفسها تعيش هذه التحولات بوتيرة متسارعة. البلد الذي خرج من عقود طويلة من العزلة الشيوعية يحاول اليوم اللحاق بالاقتصاد العالمي، لكن السؤال الذي تتفرَّع عنه أسئلة كثيرة، ويطرحها المحتجون اليوم دون مواربة: بأي ثمن؟ وهل يمكن بناء اقتصاد سياحي دون تحويل الطبيعة إلى سلعة؟ وهل يمكن جذب الاستثمارات دون خصخصة الذاكرة الجماعية؟ وهل تستطيع دولة صغيرة أن توازن بين حاجتها إلى رأس المال، وحقّ مواطنيها في الحفاظ على أماكنهم المشتركة؟ هذه الأسئلة تجعل من قضية سازان أكثر من مجرد خبر يتعلق بإيفانكا ترامب أو جاريد كوشنير. إنها قصة عن العالم كله تقريباً، وهو يقع تدريجياً تحت “رحمة” النيوليبرالية التي لا تعترف بأي ذاكرة جماعية للبشر، أو بأي حدود! عالم تتحوّل فيه الجزر إلى علامات تجارية، والشواطئ إلى أصول مالية، والمشاهد الطبيعية إلى فرص استثمارية. عالم لم تعد فيه المعركة تدور فقط حول الأرض، بل حول معنى الأرض نفسها، ولعلَّ أكثر ما يثير القلق في هذه القصة أن المعركة لا تُخاض بين مؤيدي التنمية ومعارضيها، بل بين تصورين مختلفين للمستقبل: مستقبل يرى الطبيعة إرثاً جماعياً يجب حمايته، ومستقبل يرى فيها فرصة اقتصادية يجب استثمارها. أما جزيرة سازان، فتقف اليوم بين هذين العالمين، كأنها آخر جنَّة مثالية من البحر المتوسط لم تُحسم هويتها بعد.
