موت سعاد حسني إشكالي، فهو مخلخل، ذلك أن الرومانسية التي ارتبطت بمسيرتها الفنية هي رومانسية الأحلام، والانبعاثات الكبرى، كأن تخرج نجمة من الأزقة الشعبية مباشرة إلى المدينة الحديثة التي كانت تمثلها القاهرة في المخيلة العربية، فكيف توأد هنا مع إشكالية هذه اللحظة التي اقترنت بسقوطها من على شرفة غامضة في لندن؟
سعاد لم تكن تحمل ملامح “الديڤا” التقليدية بقدر ما كانت تحمل شيئاً أكثر تعقيداً وندرة: هشاشة الإنسان العادي عندما يتحّول إلى أسطورة، ويصبح قابلاً للّمس، والتشكل المحيّر في المخيال الجمعي.
بئر الحرمان.. الخفي!
لقد انفصلت سعاد حسني عن السينما كلية لحظة إعلان وفاتها، أو حتى “انتحارها”، فأفلام (زوزو) السعيدة انتهت هنا، توقَّفت عن أن تكون سينما منذ أن سقط جسدها من تلك الشرفة القابلة للنقض والتأويل.
أفلام النجمة التي تزيد على الثمانين هي القيمة الواقعية الوحيدة، وهي المادة الفيلمية نفسها التي كانت تُفصَّل على مقاسها منذ اكتشافها في فيلم (حسن ونعيمة) عام 1959، واحترافها على يد رمسيس نجيب في فيلم (بئر الحرمان)، وإذا كان حسن الإمام هو من حقق لها شعبيتها ونجوميتها بهذا القدر الذي تمتّعت به منفردة كنجمة شباك تذاكر في فيلم (خلّي بالك من زوزو)، فإن هذا التحقّق منحها التماهي الكلي مع أسطورة النجمات الكبيرات. نجمة تملك نظرات ناعسة مشتعلة لوجه مأساويٍ ناعٍ، تخالطه شقاوة الأطفال وانحناءة تطيح في الهواء شيئاً خفياً، كمن تصد بعض الضربات غير المرئية.. والتراجيديا هنا تمثَّلت بموتها كذروة في الأداء، إذ أنها كانت تكمن في رومانسيتها التي خلقت لغة شعرية عذراء، لم تظفر بها نجمة في السينما المصرية من قبل.
كان من حقها أن تختفي للحفاظ على جمال أسعد الملايين التي أحبَّتها، تماماً كما حصل مع (غريتا غاربو) التي أرادت أن تحطم نفسها بنفسها من أجل المحافظة على جمالٍ كان بوسع الملايين النظر إليه دون أملٍ أو مسالمة، لعلَّ أحداً يفهم أو يفسّر لنا لماذا تختفي نجمة مثلها؟
الأنا المكلومة
الوجه كان يضيء مثل نجمات (العصر السعيد)، حتى أن لغته على الرغم من بساطته وشفافيته يصبح أكثر إلغازاً، فهي من قلّة تملك مايُسمّى “التناظر الوجهي المثالي”، إذ يتطابق الجانب الأيسر مع الأيمن في وجهها كأنهما صورة “مرآتية” تتجاوز المألوف البشري . وجه سعاد حسني فكرة وحدث، وهو يتحقق من خارج كينونته كموضوعة أثيرة، وبالتالي لا يعود (التجريح السادي) الذي طالها حول (سذاجتها) خارج عملها في الأستوديو، إلا مما يمليه عليها محيطها الثقافي (علاقتها بصلاح جاهين مثلاً)، فالممثلون الجيدون ينفذون جملهم، وهي تُقال سلفاً للآخرين، إذ أنهم مطالبون بتحقيق وهم الحوار، وإن كان ثمة جسر مفقود بين المفردات لدرجة عزلة المؤدين عن بعضهم، أو عن محيطهم بالانفصال الكلّي أو الجزئي، فإن الصمت الذي كانت تبديه “الأنا المكلومة” عند هذه النجمة الكبيرة عندما لم تحظ بالرعاية المطلوبة، يفسّر إلى أي مدى يتغلغل فينا شخص في إطار موسقة فضاء بارد فارغ يتسبب بتآكل منتظم لأرواحنا.
تردد وحيرة ولعثمة
كان بوسعنا عندما نشاهد أفلام مثل (أين عقلي)، و(صغيرة على الحب)، و(حب في الزنزانة)، أن نرى تعابير ممثلة بوجه طفلة صغيرة، وهي تعلن أثناء تنفيذ ردّات فعلها ملامح الشريك المقابل لها، فالوجه (الشقّي) لم يكن في الواقع هو الذي يحمل تعابيرها، بل كان يلتقط بالحدس الرؤيوي تعابير الآخرين، وإن كانت تتلعثم أثناء أداء أدوارها، فإن تاريخ السينما يدل على أن نجمة كبيرة مثل اليزابيث تايلور لم تكن في الواقع إلا مزيجاً محيّراً من التردد والحيرة واللعثمة.
ما يهم أنه فوق وجه سعاد حسني كان يمكن لنا أن نرى ما تراه، حتى وهي تهرم أمام أعيننا برغم المرض. إذ كان من حقها أن تختفي للحفاظ على جمال أسعد الملايين التي أحبَّتها، تماماً كما حصل مع (غريتا غاربو) التي أرادت أن تحطم نفسها بنفسها من أجل المحافظة على جمالٍ كان بوسع الملايين النظر إليه دون أملٍ أو مسالمة، لعلَّ أحداً يفهم أو يفسّر لنا لماذا تختفي نجمة مثلها؟
في مواجهة الندرة
رحلت سعاد حسني؟ انتحرت؟ قُتلت؟
ليس مهماً التفنن بالإجابة، فوجهها الأوركيدي، هو النرد الذي كنَّا نرميه في طفولتنا وشبابنا وشيخوختنا خلف أقدارنا وحظوظنا، بين آلاف المجرَّات الفيلمية، لنحظى أخيراً بالسندريللا المضيئة. فموتها المأساوي كان الذروة في الأداء التراجيدي، وهو لا يمسها بالأذى، فنحن سنظل نذكرها بالحب، وسيظل وجهها يشكل بداية ونهاية طغيان “التناظر الوجهي” على الصدفة، فمن أين لنا من بعد موت النجمة الكبيرة القدرة على كسر قوانين الطبيعة البشرية في الاختلاف، فنحن هنا لسنا بحاجة للوقوف أمام “مرآة” خارجية لأن كل نصف في وجهها يعكس النصف الآخر بقداسة. بعبارة أخرى نحن نقف هنا في مواجهة الندرة.. إنه توازن الخلق الفريد!