هناك مدن لا نسكنها، لكنها تتسلل إلينا بهدوء، كفكرة لا تكتمل، كظلّ حياةٍ أخرى كان يمكن أن تحدث. لا نصل إليها، ومع ذلك نعيش داخلها أحياناً أكثر مما نعيش داخل أماكننا الفعلية. نبنيها في الخيال: شوارع تمشي على مهل، مقاهٍ لا تستعجل أحداً، وجوه لا تعرفنا لكنها لا تنكرنا، ولغة نتعثر فيها بطمأنينة الغريب.
لكننا لم نذهب، أو ربما ذهبنا بطريقة لا تُرى: بالاحتمال، لا بالفعل.
صوفيا، ليست مجرد مدينة على الخريطة، بل اسمٌ يحمل معنى أعمق مما يبدو عليه. في جذره اليوناني، تعني “الحكمة”. وحين نفكر بها بهذا الشكل، تتغيّر المدينة من كونها مكاناً إلى كونها حالة إدراك، كأنها ليست وجهة جغرافية، بل درجة من الوعي.
صوفيا: حكمة الصمت أمام ما لا نفهمه كاملاً
في صوفيا، لا تكون الغربة مجرد مسافة بين الإنسان والمكان، بل مسافة داخل الإنسان نفسه. هناك، لا يواجه المرء مدينة جديدة فقط، بل يواجه طريقة جديدة لرؤية ما اعتاد عليه. كأن الحكمة لا تأتي من الإجابات، بل من القدرة على التعايش مع الأسئلة دون استعجال إنهائها.
الضوء هناك ليس حدثاً، بل مزاجٌ يهبط على الأرصفة كأنه يتذكّر شيئاً قديماً. المقاهي لا تستعجل الزبائن، وكأنها تعرف أن الوقت ليس ملكاً لأحد. أما اللغة، فهي ليست جداراً ولا جسراً، بل ضباب خفيف نمرّ خلاله دون أن نفهمه بالكامل، ودون أن نحتاج إلى ذلك أحياناً. في صوفيا، لا نسكن المكان بقدر ما نُختبر فيه. نُدفع إلى سؤال بسيط ومربك: من نكون حين لا يسبقنا أحد بالتعريف، ولا تلحق بنا ذاكرة الآخرين؟
تتراجع الإجابات، ويتقدَّم الانتباه. نبدأ بملاحظة ما كنا نتجاوزه دائماً: شكل الرصيف، تكرار الخطوات، المقعد نفسه في المقهى نفسه، في اليوم نفسه، دون أن يصبح مملاً. كأن المدينة لا تقدّم نفسها دفعة واحدة، بل على جرعات صغيرة من الاكتشاف البطيء. ومع الوقت، لا تصبح صوفيا مألوفة تماماً، لكنها تتوقف عن كونها غريبة. تبقى في المنتصف، في منطقة لا اسم لها: لا وطن، ولا منفى. فقط مساحة نعيش فيها دون أن نطلب منها تعريفاً نهائياً.
السؤال المؤجل
وهنا يتغيّر معنى المدينة التي لم ننتقل إليها.
لم تعد مدينة مفقودة، بل احتمالاً مستمراً. نسخة أخرى من الحياة لم تُستنفد. شكلٌ بديل للذات كان يمكن أن يتكوّن، لو أننا بقينا أطول قليلاً، أو بدأنا من مكان آخر، أو صمتنا في اللحظة التي اخترنا فيها الكلام.
كل مدينة من هذا النوع تشبه سؤالاً مؤجلاً. لا يختفي، لكنه لا يُطرح كاملاً أيضاً. يظلّ يعمل في الخلفية، بهدوء، كإحساس خفيف بأن الحياة لم تُكتب بصيغة واحدة، وأن ما نعيشه ليس النسخة الوحيدة الممكنة منا.
في العمق، ليست صوفيا ما يهم، بل ما تكشفه: أن هناك دائماً حياة أخرى تقف إلى جوار حياتنا، لا تنافسها، لكنها لا تغادر أيضاً. حياة لا نعيشها، لكنها تظلّ تشير إلينا من بعيد، كضوء لا يقترب، ولا ينطفئ—وكحكمةٍ لا تُقال، بل تُدرك حين نصمت قليلاً أمام ما لا نفهمه بالكامل.
