مع مرور عام على رحيله، تبدو هذه الذكرى تظليلاً بيّناً للخسارة الفادحة التي تركها رحيل الفيلسوف الموسيقي والمبدع المسرحي زياد الرحباني، غير أن هذا الغياب المادي لم يُحدث قطيعةً مع وجوده المتغلغل في المشهد الثقافي والوجداني العربي، بل تحوّل صمته الأخير إلى حضور نغمي وفكري مكثف يُعيد تنظيم ذاكرتنا اليومية وفق إيقاعاته وشيفراته الناقدة الخالدة التي لا تموت. لم يكن زياد مجرد امتداد جيني أو تاريخي عادي للبيت الرحباني الكبير الذي شيّده عاصي الرحباني وفيروز مع منصور، بل كان الثورة البنيوية المتوقدة التي فككت العرش الرحباني القديم لتُعيد صياغته وتأسيسه على تماسٍ مباشر مع تراب الشارع، وإسفلت المدينة، ورطوبة أزقتها الحزينة، فلم يهرب بالنغمة إلى القرى المتخيّلة، ولا إلى الملوك الافتراضيين، أو المثاليات التي لا تطعم جائعاً، بل نزل بالجماليات الموسيقية والمؤلفات المسرحية إلى قاع الواقع اللبناني والعربي المعقد والمأزوم بجرأة غير مسبوقة.
تحرير صوت فيروز
لقد أحدث زياد تحوّلاً حاسماً وجذرياً في تاريخ الغناء العربي عندما حرر صوت أمه فيروز، ومعه تجربة المرأة العربية برمتها، من أسر الانكسار الرومانسي التقليدي، ولوعة الانتظار الهشّْ الشاحب، ليُطلق صوتها حراً ينبض بوعي جديد يلامس مفردات الحياة اليومية الشاقة ولغة الناس العاديين بلا تجميل أو مواربة إيديولوجية.
كان زياد يمتلك قدرة هائلة على التقاط الروح الجمعية وتجسيدها في شخصيات حيّة تتفاعل على الخشب بصدق مطلق
كان زياد يستلهم مادته الفنية من حوارات المقاهي الشعبية، وعربات بائعي الخضار، وضجيج خطوط التماس، وثرثرة سيارات الأجرة في بيروت وشارع الحمرا، فيصوغ منها عبر النبرة الخفيضة وبلاغة الاقتضاب نصوصاً ومقطوعات تتحوّل فيها النكتة الساخرة إلى فلسفة موقف، والمأساة الاجتماعية إلى معمار موسيقي ومسرحي خالد يرفض المباشرة والخطاب المهرجاني الطنان. في عمق التجربة الرحبانية الفريدة، لم تكن السخرية عند زياد مجرد أداة للتسلية أو وسيلة لإثارة الضمائر العابرة، بل كانت سلاحاً فريداً وموقفاً فلسفياً ووجودياً متكاملاً لمواجهة مرارة الواقع اللبناني والعربي وترديه. استطاع زياد من خلال أعماله الإذاعية والمسرحية أن يحوّل مفردات الحياة اليومية الهامشية إلى صياغات نقدية شديدة العمق، فاستعار جملة بائع البطيخ، وأستاذ المدرسة التائه، والمواطن المشحون بالخوف في المقاهي الشعبية، ليعيد تركيبها في قالب مسرحي يبسط أمامنا عورات النظام الاجتماعي والسياسي. إن المأساة التي تجسدت في مسرحياته لم تكن مأساة ملحمية بالمعنى الإغريقي القديم، بل كانت مأساة المواطن العادي المحاصر بين القصف والتضخم المالي وتفكك مؤسسات الدولة وفقدان الأمل. من هنا، جاءت السخرية عند زياد كدرع حماية نفسي وفكري يمنع الإنسان من السقوط المباشر في الجنون أو الاستسلام للهزيمة، إذ كان يؤمن أن السخرية من الواقع هي الخطوة الأولى والضرورية لتعريته وفهمه ومن ثم مواجهته، ولم يتوقف عند حدود التفكيك، بل قدّم من خلال تلك السخرية لغة جديدة باتت جزءاً من لسان الشارع اليومي، فتداول الناس مقولاته وتعبيراته، وكأنها حكم ومأثورات شعبية تشرح أدق تفاصيل معاناتهم دون الحاجة إلى شعارات إيديولوجية معقدة. وعند النظر في المعمار الموسيقي الذي شيّده زياد الرحباني، نجد أنه أحدث انقلاباً حقيقياً في مفهوم التلحين والتوزيع الموسيقي في العالم العربي، حيث استطاع تجسير الفجوة بين الأشكال الموسيقية الغربية المتقدمة كالشرقي الجاز (Oriental Jazz) والبلوز وبين الشرق وهويته المقامية العريقة. لم يكن مزج زياد للجاز بالموسيقى الشرقية تجربة شكلية أو تلفيقاً هجيناً كما يفعل الكثيرون، بل كان استيعاباً عميقاً للروح المشتركة بين الموسيقيين في كل مكان، روح التعبير عن وجع المهمشين والمظلومين والفقراء. أدخل زياد الآلات الغربية، كالساكسفون والبيانو والباس جيتار، إلى أحضان التخت الشرقي بكل سلاسة، وجعل البيانو يغني المقامات الشرقية بحس أصيل دون أن يفقد هويته أو قدرته على التعبير عن التعقيد النفسي للإنسان الحديث. تجلّى هذا التجديد الموسيقي بأبهى صوره في الألبومات التي قدمها لوالدته السيدة فيروز، مثل “وحدن”، و”كيفك إنت”، و”مش كاين هيك تكون”، و”إيه في أمل”، حيث خرج بفيروز من حيز الأسطورة النحاسية البعيدة إلى دفء الكائن البشري الحقيقي الذي يحب، ويتألم، ويسخر، ويعيش التفاصيل الصغيرة بأمانة وتجرد. لقد صنع لغة غنائية خاصة تتسم بالسهل الممتنع، لغة تبدو في ظاهرها بسيطة للغاية ومألوفة لجميع الآذان، لكنها تخفي في باطنها تعقيداً هارمونياً وإيقاعياً لا يقدر عليه إلا عبقري متمرس.
بالنسبة لبكرا وبعد بكرا وبعد بعد بكرا شو؟!
أما على الصعيد المسرحي، فقد شكّل مسرح زياد الرحباني محطة فارقة ومفصلية في تاريخ المسرح العربي الحديث، إذ انتقل بالعمل المسرحي من الكلاسيكية والخطابية إلى واقعية تسجيلية مكثفة ومشحونة بالرمزية والوعي السياسي المتقدّم. في أعماله الخالدة مثل “سهرية”، و”بالنسبة لبكرا شو؟”، و”فيلم أميركي طويل”، و”بالنسبة لشي فاشل”، و”بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، لم يقدّم زياد فرجة مسرحية للترفيه، بل قدّم تشريحاً بنبوءة مبكرة لأزمات المجتمع والسياسة في لبنان والمنطقة العربية. كان زياد يمتلك قدرة هائلة على التقاط الروح الجمعية وتجسيدها في شخصيات حيّة تتفاعل على الخشب بصدق مطلق، فشخصية زكريا، ورضا، وعباس، وغيرهم، لم تكن مجرد نماذج درامية، بل كانت عينات واقعية من الشارع المأزوم في زمن الحرب وما بعدها. لقد تنبأ زياد من خلال هذه المسرحيات بالانهيارات المتتالية، وتآكل الطبقة الوسطى، واستمرار الحرب الأهلية بأشكال وأقنعة جديدة، وصعود الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يدمر الأوطان. كان مسرحه بمثابة مختبر اجتماعي وسياسي يُظهر كيف يمكن للإنسان أن يصبح ضحية للأنظمة الشمولية والطائفية، وكيف يتحوّل الخوف والفقر إلى أدوات للسيطرة والتدجين، معتمداً في ذلك على حوارات مكثفة وسريعة تخلّت تماماً عن الإنشاء واللغة الخشبية المقفرة.
رفض الحنين الكاذب
إن المأساة الحقيقية في حياة زياد الرحباني تكمن في كونه فناناً حقيقياً رغماً عن أنف السياسة ومتاهاتها المظلمة، فقد كان مفكراً وراديكالياً انحاز بالكامل ومنذ بداياته إلى الفقراء والمعذبين والمستضعفين في الأرض، وجعل من إذاعته، ومسرحه، ونشاطه الفني والإعلامي صوتاً حراً ونبضاً صادقاً للشارع الثائر على الظلم والاستغلال. لم يبع مواقفه يوماً ولم يساوم على انحيازه الإنساني والأيديولوجي، وظلَّ متمسكاً بفكره الساطع حتى عندما انفض من حوله الكثيرون، أو اختاروا طرق المساومة والراحة. تكمن قيمة زياد في أنه رفض رفضاً قاطعاً الحنين الكاذب. لم يبكِ على أطلال الماضي، ولم يتغنَّ ببيروت الجميلة المتخيّلة، بل واجه الحاضر بكل قبحه وشروره، وسعى إلى تعريته من خلال النقد اللاذع والتهكم الصريح. كان يرى في الحنين إلى الماضي نوعاً من المخدر الذي يعطل الفكر ويمنع التغيير، ولذلك كانت أعماله تتطلّع دائماً إلى المستقبل بتفاؤل حذر أو بواقعية صلبة لا تطارد الأوهام. هذا الانحياز الصارم للحقيقة والعدالة الاجتماعية جعل من تجربته الفنية تجربة أخلاقية بامتياز، لا تكتفي بتقديم الجمال الفني، بل تسعى إلى بناء وعي نقدي لدى المتلقي يدفعه إلى التفكير والمساءلة وعدم القبول بالواقع القائم كقضاء وقدر.
معمار موسيقي خالد
في ذكرى رحيله الأولى، يتكشّف إرث زياد الرحباني لا كأرشيف تاريخي مغلق أو مجرد ذكريات جميلة مناسَبة للاستعادة العاطفية، بل كظاهرة حيَّة ومتجددة تتداولها الأجيال الشابة عبر مختلف المنصّات الوسائطية والرقمية، لتجد فيه مرآة صادقة وخالصة تعكس تحوّلاتها وتعبّر عن خيباتها وأحلامها في آن واحد. إن سِرّ زياد يكمن في أنه لم يأخذ سحره معه، بل وثّقه مبعثراً في كل جملة موسيقية صاغها، وفي كل نص مسرحي كتبه، وفي كل موقف إنساني شريف اتخذه طوال مسيرته الحافلة. موسيقاه لم تكن مجرد وضع لموسيقى تصويرية لأفلام أو مسرحيات لمرحلة زمنية انقضت، بل كانت وما زالت تشكل الموسيقى التصويرية الخالدة لحياتنا اليومية ومواجهاتنا الوجودية المستمرة مع الظلم والجهل والانتظار.
لقد رحل زياد الجسد، لكنه ترك خلفه معماراً فنياً وفكرياً متكاملاً لا يمكن أن يطاله النسيان، معماراً يُشير دائماً إلى أن الفن الحقيقي هو الذي يلتصق بالإنسان، ويحفر عميقاً في وجدانه، ويظل حيَّاً يرتد صداه مع كل دقة قلب ومع كل نغمة تبحث عن الحرية والعدالة والتغيير.
