كانت خطوط الفحم البسيطة على الورق كافيةً لرسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي كي يطلق صرخةً تهز أركان الضمير العالمي. لم يكن “حنظلة” مجرد رسم كارتوني، بل كان أيقونةً تعبيريةً تجاوزت أسيجة العرق ولغات البشر وتباين الثقافات، ليغدو لغةً عالمية يفهمها كل من طالع مشاهد الوجع وبؤس الطفولة الفلسطينية.
في صمت حنظلة، وإدارته لظهره للعالم، أثرٌ أعمق وأشد إيلاماً مما أحدثته جلبة الأسلحة، وصخب الشعارات، وظلال المظاهرات، واستطالات المفاوضات العبثية. لقد استشرف ناجي العلي بحسّه المأساوي ثمن هذا النجاح الأدبي والفني، فدفعه كاملاً من دمه وحياته.
لغز وجه حنظلة
يقول ناجي العلي تعليقاً على شخصية بطله: “ظلَّ وجه حنظلة لغزاً يؤرق طفولتي. لا أذكر يوماً أين التقيتُ به لأول مرة، أكان ذلك في زاوية صحيفة مطبوعة، أم في منشور درامي، أم عبر شاشة التلفاز؟ لكن ما أذكره جيداً هو ذلك الفضول العارم الذي تملكني تجاه تفاصيل هذا الطفل الحافي القدمين، العاقد يديه خلف ظهره كأنما يكبل عزه، والمولّي وجهه عن الجميع باستعلاء المظلوم. أذكر كيف أمضيت وقتاً أفتش عن ملامح وجهه العابسة دون أن أصل إليها، ومع تعاقب الأيام ونضوج الفكر، أدركت الحكمة الشقية في غياب تلك الملامح. أدركت لماذا كان من الأفضل ألا نرى وجهه، ولماذا يجب ألا يُمنح الحزن وجه شادياً منفرداً”.
إن حنظلة يتعدّى حدود الرسم ليكون تجسيداً لكل الأطياف البريئة التي سقطت في أزهى سنوات عمرها، ولكل من كافح للبقاء داخل المخيمات
لقد غدا وجه حنظلة هو وجه الطفل “محمد الدرة” الذي قضى نحبه في غزة، محتمياً ببرميل أسمنتي وبين ذراعي أبيه الأعزل أمام أنظار العالم، ثم استحال وجهه ليصبح وجوه جميع الأطفال الفلسطينيين الذين رشقوا الدبابات بالحجارة، شاهرين شجاعتهم العارية دفاعاً عن الحق والأرض.
حنظلة ليس مجرد شكل. إنه الثبات المعلّق في الزمن. ظهره للمشاهد، يداه مكتوفتان خلفه، حافي القدمين، مرقع الثياب، ولد طفلاً في العاشرة من عمره، وسيبقى كذلك إلى الأبد، لأن الوقت توقف عنده لحظة اقتلاعه من أرضه.
إن حنظلة يتعدّى حدود الرسم ليكون تجسيداً لكل الأطياف البريئة التي سقطت في أزهى سنوات عمرها، ولكل من كافح للبقاء داخل المخيمات، ولكل من ذاق مرارة القهر والخطف والتشريد. حنظلة لم يكن يملك لوناً ولا جنسية، ففي يومٍ تراه يخرج من بين ركام مخيم فلسطيني مدمر في سوريا، أو من بين أطلال قرية فلسطينية منكوبة، وفي يوم آخر تجده يصارع الموت من أجل البقاء في أدغال إفريقيا. لقد أدار ظهره للإنسانية نيابة عن كل طفل أُجبر على أن تُسرق قصته منذ فجر التاريخ. كان حنظلة طفولة مفقودة لرسّامه ناجي العلي في مخيمات اللجوء بلبنان، حيث أعلنت النكبة نهاية أيام السلام وبداية عهد التشريد.
النكبة: نقطة التحول الكبرى
في الخامس عشر من أيار/ مايو عام 1948، وقعت “النكبة” — الكارثة الكبرى التي اقتلعت السلام من قرية “الشجرة” المسالمة، مسقط رأس ناجي العلي في الجليل، كما فعلت بمدن وقرى فلسطين كافة. تحوّل كل شيء في بقعة الضوء تلك إلى رماد.
ومع إعلان قيام دولة إسرائيل في أيار / مايو 1948، بدأت حملات التهجير القسري والقتل والتدمير ومحو المئات من القرى والبلدات، لينزح مئات الآلاف من الفلسطينيين قسراً عن ديارهم التاريخية. تمزق النسيج الاجتماعي والتاريخي، واستحالت الأوطان إلى مخيمات، والطفولة إلى قصة صمود لا تنتهي، وجسد حنظلة كل ذلك بظهره الذي يديره للخلف مستنكفاً، ويديه المكتوفتين، شاهداً أبدياً لا يموت.

Foto: Amer Shomali (CC BY-SA 3.0)
رصاصة غادرة في عاصمة الضباب (1987)
لأن الكلمة الصادقة والريشة الجريئة كانت توازي في خطورتها ترسانات السلاح، أصبح ناجي العلي طريداً للأنظمة الرسمية العربية والاحتلال على حد سواء. كان يرسم بالدم والدمع، وكان خطه النضالي لا يداري ولا يجامل. يفضح القبح أينما وجد، ويصوب نصل نقده اللاذع نحو زيف السياسة وانكسارات وخنوع العقل العربي.
في الثاني والعشرين من تموز / يوليو عام 1987، وفي أحد أحياء لندن الهادئة، حيث ظنَّ الرسام أن هناك متسعاً من الحرية ليرسم بلا رقيب، كان “كاتم الصوت” يتربّص به. امتدت يد الغدر وأُطلقت رصاصة قاتلة أصابت ناجي العلي في رأسه، بينما كان متوجهاً إلى مكتب جريدة “القبس”. سقط الفنان الحاضر في قلوب وعقول وأذهان الملايين صريعاً على الأرصفة الغريبة، ودخل في غيبوبة طالت لأسابيع، وكأن روحه كانت تقاوم الرحيل كي تعطي العالم فرصة أخيرة للاستيقاظ.
وفي التاسع والعشرين من آب / أغسطس 1987، فاضت روح ناجي العلي إلى بارئها. رحل الجسد وخمدت الريشة، لكن المفارقة التاريخية العجيبة تمثلت في أن من أرادوا إسكات الصوت قتلوا أنفسهم في ذاكرة التاريخ، بينما بقي حنظلة حيَّاً لم يمت.
لقد ظنَّ القتلة أن الرصاصة ستغتال الفكرة، لكنهم كانوا ينفقون أعمارهم في الوهم، إذ لم يكن ناجي العلي سوى حارسٍ للأيقونة، فلما مات الحارس، استقلت الفكرة بذاتها. بقى “حنظلة” واقفاً في مكانه، يدير ظهره لقتلة مجتمعه، ويعقد يديه خلفه، شاهداً على أن الرصاص قد يثقب الرؤوس والورق، لكنه أبداً لا يستطيع اغتيال الحقيقة.
