شهدت السنوات الأخيرة من حياة الكاتب الروسي ليو تولستوي صراعاً عائلياً وفكرياً حاداً حول المال والملكية وحقوق نشر أعماله، في خلاف لم يكن مجرد نزاع على الميراث، بل انعكاساً مباشراً للتحوّلات العميقة التي طرأت على أفكاره وموقفه من الثروة والملكية والحياة.
كان تولستوي، الذي رسّخ مكانته واحداً من أعظم أعلام الأدب العالمي من خلال روايتي «الحرب والسلام» و «آنا كارينينا»، قد ابتعد تدريجياً عن نمط الحياة الأرستقراطي الذي نشأ فيه، فبعد سبعينيات القرن التاسع عشر، أخذ ينتقد امتلاك الثروة وتكديس الممتلكات، وأبدى إعجاباً متزايداً بحياة الفلاحين والعمل اليدوي والبساطة، حتى إنه كان يرتدي أحياناً ملابس الفلاحين ويشارك في العمل في الحقول.
نقد مفهوم الملكية الخاصة
ومع تعمق تحوّله الفكري، لم تعد الملكية بالنسبة إليه مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت قضية أخلاقية وفلسفية، وانعكس ذلك على موقفه من أعماله الأدبية وحقوق نشرها، إذ اتجّه في سنواته الأخيرة إلى رفض احتكار أعماله، ورغب في أن تكون كتاباته متاحة للناس على نحو أوسع، منسجماً مع نقده لمفهوم الملكية الخاصة عموماً. لكن هذه الرؤية اصطدمت بمصالح أسرته، وبوجه خاص بزوجته صوفيا أندرييفنا تولستايا، التي كانت شريكة أساسية في الحياة الأدبية والعائلية للكاتب، فقد توّلت على مدى سنوات نسخ مخطوطاته بعناية، ومتابعة شؤون النشر، والمساهمة في إدارة الموارد المالية للأسرة، ومن هذا المنظور، لم تكن حقوق نشر أعمال زوجها بالنسبة إليها قضية فلسفية مجردة، وإنما مصدراً مهماً لضمان مستقبل الأسرة وأبنائها واستقرارهم المالي.
يصعب اختزال النزاع في صورة بسيطة تجمع بين «كاتب مثالي» و«عائلة متمسكة بالمال». فقد كان تولستوي يتحرّك بدافع قناعة فلسفية وأخلاقية ترسخت لديه مع مرور السنوات، بينما كانت صوفيا تتحرك، من جانبها، انطلاقاً من اعتبارات عائلية واقتصادية
خلافات بين الزوجين
ومع مرور الوقت، تحوّلت الاختلافات في الرؤية إلى توتر متصاعد داخل المنزل. كان تولستوي يرى أن التنازل عن حقوقه الأدبية ينسجم مع قناعاته الجديدة حول رفض التملك والعيش البسيط، بينما كانت صوفيا ترى أن السنوات الطويلة التي كرستها لخدمة أعماله والأسرة تمنحها حقاً في حماية مصدر الدخل الذي توفره تلك الأعمال، ولهذا، أصبحت حقوق النشر إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين الزوجين، وإن لم تكن العامل الوحيد وراء خلافاتهما.
بلغت التوترات ذروتها في عام 1910، عندما غادر تولستوي منزله في سن الثانية والثمانين، ساعياً إلى الابتعاد عن حياته السابقة وعن الأجواء التي أصبحت، بحسب ما عبّر عنه، لا تُحتمل بالنسبة إليه، وفي رسالة تركها لزوجته، طلب منها أن تسامحه وألا تتبعه، مؤكداً أنه لم يعد قادراً على مواصلة حياته في ظروف الرفاهية التي اعتادها، وأنه يريد أن يقضي ما تبقى من عمره بعيداً عن الضجيج وفي هدوء.
البحث عن عزلة
كتب تولستوي لزوجته: «أعلم أن رحيلي قد أحزنك، أرجو أن تسامحيني، لكنني أريدك أيضاً أن تعلمي أنه لم يكن لديّ خيار آخر»، قبل أن يعرب عن امتنانه للسنوات الثماني والأربعين التي عاشاها معاً، ويطلب منها تقبّل قراره وعدم محاولة اللحاق به.
غير أن الرحلة التي بدأها بحثاً عن العزلة لم تدم طويلاً، فقد مرض تولستوي أثناء سفره، واضطر إلى التوقف في محطة أستابوفو، حيث تدهورت حالته الصحية وأصيب بالتهاب رئوي، وهناك، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1910، توفي الكاتب الذي كان قد أمضى سنواته الأخيرة في محاولة مواءمة حياته مع أفكاره.
أصداء الخلاف مستمرة
ولا يزال الخلاف حول حقوق نشر أعمال تولستوي حاضراً في الدراسات التي تتناول حياته وعلاقته بأسرته، لأنه يكشف مفارقة عميقة في شخصية الكاتب: رجل يرفض من الناحية الفكرية امتلاك الثروة واحتكار نتاجه الأدبي، في حين أن زوجته وأسرتها كانتا تنظران إلى هذه الأعمال بوصفها ثمرة سنوات طويلة من العمل ومصدراً ضرورياً للعيش.
ومن هذه الزاوية، يصعب اختزال النزاع في صورة بسيطة تجمع بين «كاتب مثالي» و«عائلة متمسكة بالمال». فقد كان تولستوي يتحرّك بدافع قناعة فلسفية وأخلاقية ترسخت لديه مع مرور السنوات، بينما كانت صوفيا تتحرك، من جانبها، انطلاقاً من اعتبارات عائلية واقتصادية ملموسة، فضلاً عن الدور الكبير الذي أدته في حفظ مخطوطاته وإدارة شؤون نشرها، ولهذا ظل النزاع بين تولستوي وعائلته أكثر من مجرّد خلاف على حقوق التأليف والنشر، فقد كان مواجهة بين تصورين مختلفين لمعنى الملكية وقيمة العمل وحدود مسؤولية الفرد تجاه أسرته.
ربما تكمن أهمية هذه القصة، التي استمرت أصداؤها بعد أكثر من قرن على وفاة تولستوي، في أنها تضع سؤالاً لا يزال حاضراً حتى اليوم: هل يملك الفنان عمله بمجرد أن يبدعه، أم أن سنوات العمل التي بذلها الآخرون في خدمته وحماية نتاجه تمنحهم هم أيضاً حقاً في ثماره؟
