إيمان السعيد كاتبة سيناريو متخصصة من أصول فلسطينية، وقد اختارت التنقل بين بعض دول الخليج، سوريا، بيروت وتركيا، مما ساهم بشكل أو بآخر في تنويع وتطوير أعمالها الدرامية لجهة أنماط الحياة المختلفة التي دأبت على كتابتها للشاشة الصغيرة.
الكاتبة السعيد حاصلة على دبلوم في علم النفس، وهو الأمر الذي ساعدها على أن ترسم شخصياتها الدرامية بعناية فريدة، كما أنها خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق-اختصاص نقد- ما ساعد على تعميق فهمها ومعرفة أدواتها بدقة في الكتابة للدراما التلفزيونية.
سبق لي أن التقيت بها في مركز مخصص لدعم الشباب يتبع وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وكانت مشرفة حينها على ورشة للكتابة الدرامية، الورشة التي يمكن القول عنها إنها كانت علامة أولى من علامات -متعة القص المقدسة- على ما يذهب باولو كويلو في تعريفه للكتابة.
في مابعد، غابت الكاتبة السعيد بحكم ارتباطاتها العملية التي أثمرت عن مجموعة مهمة من الأعمال التلفزيونية مثل (خمسة ونص، مسافة أمان، نفس، سحابة صيف، مشاركة في بقعة ضوء والمارقون، بالإضافة إلى معالجة درامية لمسلسل (أحقاد خفية).
عقب الانتهاء من الورشة وفي حفل خاص قالت لنا الكاتبة السعيد بأنها تعلمت منَّا الكثير :”عرفتوني على الوجه الآخر للمخيم (الوجه المدني) بنشاطاتكم، وقد كان غائباً عني ومحجوباً عن المجتمع السوري في نفس الوقت”. ومن الغريب أننا كنا نضحك كثيراً في الجامعة عندما كان يسألنا أحد الطلاب السوريين إن كنَّا لا نزال نعيش في الخيام مثلاً، وحتى حين كنَّا نحاول دعوة الأصدقاء لزيارتنا في المخيم كانت الردود في معظمها متخوّفة وحذرة: -لا هذا مستحيل…! (انتوا زعران ومشكلجية). كنّا يومها نعيش تجربة من تجارب المجتمع المدني التي لم تكتمل مع الأسف، وهي امتياز سمحت به خصوصية القضية التي ننتمي إليها من خلال المقاهي والندوات والفصائل الفلسطينية والمجلات التي انتقلت إلى دمشق بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان سنة 1982، وحُرم منها الشعب السوري بسبب نظام الحزب الواحد.
استمرت الرسائل بيننا سنوات عدَّة، وكانت ترد عليها في أحايين كثيرة ببساطة ولطف من اعتاد على نثر البذار في حقول العطاء والمعرفة:” -أحيانا تزهر البذار قمحاً، مش كله طرخون”.. كما قالت لي مرة.
مؤخراً، بدأت السعيد التحضير لمسلسل جديد عن (نور الدين الزنكي)، وهو العمل الذي قالت عنه إنه في طور الإعداد، وذكرت أنها كانت منشغلة في الفترة الماضية بورشة للكتابة الابداعية مع مجموعة نساء من غزة:” أعتقد أن هذه التجربة جاءت في هذا الوقت لتصنع نوعاً من ترميم العجز الذي يسكننا جميعاً تجاه ما يحدث في غزة، وفلسطين، وكفلسطينية تعيش خارج الوطن منذ الولادة.. كنت بحاجة لمثل هذا الاتصال مع الأرض والناس هناك من خلال هذه الورشة. لم أكن أشعر أنني في موقع المشرفة أو المدربة، بل كنت أشعر بامتنان عميق للصبايا اللواتي كنت أتقاطع مع حكاياتهن وأحلامهن وأفكارهن الصادقة”.
وأضافت السعيد في حديثها ل(الكوميونيتا):” هذه الورشة تحوَّلت بالنسبة لي إلى عين مفتوحة على تفاصيل غزة، ودوري فيها إلى جانب الزملاء المخرجين والكتاب وصنّاع الأفلام ركّز على سدّ الفجوة بين امتلاك الحكاية وامتلاك الأدوات الفنية، فالفتيات في غزة يحملن هموماً كبيرة، ولديهن قدرة فطرية مذهلة على التقاط القصص المؤثرة، لكن في السينما.. القاعدة الذهبية هي، ليس المهم ماذا تقول، بل كيف ومتى وأين تقوله. من هنا.. ركّزتُ عبر الشقين النظري والعملي على تزويد الفتيات بمبادئ العناصر الدرامية العامة من خلال العمل على تطوير الأفكار الأساسية في بناء الفيلم وأسلوبية طرحه، والتمييز بين الفيلم الوثائقي والروائي، من خلال اطلاعهن على ملخصات الأفلام للجهات والمهرجانات الدولية. الأفلام بالطبع ستكون بميزانيات متواضعة، وبإمكانيات تشبه واقع غزة الحالي الحذر والصعب”.
وقالت إيمان السعيد إن الفتيات كنا منشغلات بقول أفكارهن السينمائية بأقل الإمكانيات وأعلى درجات الصدق الفني. وبالنهاية أنا ممتنة أنني دعيت لأكون مدربة في هذه الورشة وشاكرة للدكتور عز الدين شلح على مبادرته”.
من جهة أخرى قالت السعيد إن تأثير (الفنان العربي) على (وعي المهاجرين العرب) الذين انتقلوا للعيش في مجتمعات جديدة، لا يزال قائماً عبر الموسيقا، الأفلام، المسلسلات وغيره من الفنون. واضافت أن آلية الإلهام الإبداعي في الكتابة هي آلية تستدعي التأمل، إذ يخضع الكاتب لسلطة الخيال ويعتمد على المراقبة، يتشرّب ويتبنى بعض آراء الناس ويتعاطف معهم، لكن بكثير من الأوقات تتقاطع رسائله مع أجندات ورسائل ومصالح أخرى لشركائه في كل تجربة فنية، والجزء الذي يمرر منها هو أثره. وختمت ايمان السعيد بالقول:” اليوم أشعر بأن الدراما لم تعد مساحة لاجترار الأحزان والألم بقدر ما هي مساحة لدفع الناس باتجاه عملية تشافي أعقد نفسياً، من خلال تجاوز الألم نفسه، ومحاولة فهم الجروح العميقة، ليس من أجل التطبيع أو التعايش معها، فكلمات مثل الحق.. الجمال.. العدالة.. وغيرها من المبادئ والمفاهيم يجب أن تكون حاضرة على الدوام في حسابات الكتّاب، وهذا أقل ما يمكن أن يقدموه اليوم من خلال وعي إنساني أعمق، ودمج التواضع والاجتهاد بالقيم الإنسانية المتعارف عليها، وهذه رسائل وشيفرات نحن من دون شك بأمس الحاجة إليها اليوم”.
يذكرأن الكاتبة إيمان السعيد نالت سنة 2020 جائزة في مهرجان القدس السينمائي الدولي عن فيلمها (فرق توقيت).
