أثار قرار سحب الجنسية من الروائي الكويتي طالب الرفاعي موجة واسعة من التضامن في الأوساط الثقافية العربية. عشرات الكتّاب والروائيين والمثقفين سارعوا إلى إصدار بيانات الإدانة والتنديد، دفاعاً عن كاتب عُرف، على امتداد سنوات طويلة، بمواقفه الداعمة للدولة الكويتية نفسها، وبانحيازه الواضح إلى خطابها الوطني والسياسي. لكن القضية هنا لا تتعلّق بطالب الرفاعي وحده، إذ أن السؤال الأكثر إلحاحاً يكمن في ذلك التناقض الصارخ الذي يكشفه هذا التضامن: لماذا يتحرّك الضمير الثقافي العربي بهذه السرعة حين يتعلّق الأمر باسم أدبي معروف، بينما يلوذ بالصمت حين يتعرّض آلاف الأشخاص المجهولين للظلم نفسه؟
في الكويت نفسها، شهدت السنوات الماضية حالات عديدة جُرّد خلالها آلاف الأفراد من الجنسية، وتحوّلت حياتهم إلى فراغ قانوني وإنساني كامل، دون أن نسمع بيانات غاضبة من النخب الثقافية العربية، أو حملات تضامن واسعة، أو دفاعاً مبدئياً عن الحق نفسه الذي يجري الدفاع عنه اليوم.
ما الذي تغيّر إذن؟ الجواب يبدو بسيطاً ومقلقاً في آن واحد: الاسم. حين يكون الضحية روائياً معروفاً، يدخل فوراً في دائرة الامتياز الرمزي التي تجعل قضيته مرئية، قابلة للتداول، وجديرة بالتضامن. أما حين يكون الضحايا أفراداً عاديين بلا رأس مال ثقافي، فإن المأساة نفسها تفقد قدرتها على إثارة الضمير العام. المشكلة لا تكمن في التضامن مع طالب الرفاعي، فهذا موقف مشروع وطبيعي، بل في الانتقائية التي تكشف أن كثيراً من “التضامنات” الثقافية العربية لا تنطلق من مبدأ أخلاقي ثابت، بل من اقتصاد خفي للاعتراف، تتحكَّم فيه الشهرة، المكانة، والعلاقات داخل الوسط الثقافي نفسه.
بعض أشكال التضامن الثقافي العربي لا تزال محكومة بمنطق النخبة، حيث تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بمدى حضوره داخل المجال الثقافي، لا بحجم الظلم الواقع عليه
الأمر ذاته تكرر سابقًا في قضايا أخرى، فحين صدر حكم بالإعدام بحق الشاعر الفلسطيني أشرف فياض في السعودية بعد اتهامات بالتكفير، لم نشهد الزخم نفسه داخل كثير من الدوائر الثقافية العربية، رغم أن القضية آنذاك كانت تمس حقاً أكثر جذرية: الحق في الحياة ذاتها. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل يدافع المثقف العربي فعلاً عن الحرية والعدالة بوصفهما قيماً كونية، أم أنه — في كثير من الأحيان — لا يتحرّك إلا عندما يكون صاحب القضية جزءاً من دائرته الرمزية والاجتماعية؟ ربما تكشف هذه الحالات حقيقة صادمة ومُرَّة: أن بعض أشكال التضامن الثقافي العربي لا تزال محكومة بمنطق النخبة، حيث تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بمدى حضوره داخل المجال الثقافي، لا بحجم الظلم الواقع عليه. والخطير في ذلك أن المثقف، الذي يفترض أن يكون أول من يدافع عن المبدأ المجرد، يتحول أحياناً — دون أن يدرك — إلى جزء من آلية الانتقاء نفسها التي ينتقدها.
