رحلت دوللي بارتون، في 25 آب / أغسطس الجاري، عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد صراع قصير مع مرض السرطان، تاركة وراءها واحدة من أكثر المسيرات الفنية تأثيراً في تاريخ الموسيقى الأمريكية، وأكدَّ فريقها أنها توفيت في مركز فاندربيلت-إنجرام للسرطان، محاطة بأحبائها، بعد أن كانت قد دخلت المركز الطبي في ناشفيل قبل أيام قليلة من وفاتها.
لم تكن بارتون مجرد مغنية لموسيقى الريف، بل تحوّلت على مدى أكثر من ستة عقود إلى “رمز ثقافي” أمريكي تجاوز حدود النوع الموسيقي والجغرافيا، واستطاعت أن تصل إلى أجيال متعاقبة من المستمعين دون أن تفقد جذورها الأولى.
من عائلة فقيرة إلى قمّة الموسيقى
وُلدت دوللي بارتون عام 1946 في ولاية تينيسي، في عائلة فقيرة مكوّنة من اثني عشر طفلاً. حصلت على أول غيتار لها وهي في الثامنة، وبدأت الغناء في الكنيسة، ثم ظهرت في البرامج الإذاعية والتلفزيونية المحلية وهي في العاشرة، وفي الثالثة عشرة، ظهرت على مسرح البرنامج الإذاعي الشهير «غراند أول أوبري»، حيث قدَّمها جوني كاش باعتبارها «فتاة صغيرة من شرق تينيسي». وبعد تخرجها من المدرسة الثانوية، انتقلت إلى ناشفيل، عاصمة موسيقى الريف، حاملة حلم أن تصبح كاتبة أغاني ومغنية.
جاءت انطلاقتها الكبرى في أواخر الستينيات من خلال «The Porter Wagoner Show»، حيث تعاونت مع بورتر واغنر وحققت معه عدداً من النجاحات، لكنها كانت تعرف أن طموحها يتجاوز البقاء جزءاً من برنامج أو ثنائي فني. وعندما بدأت مسيرتها المستقلة، كتبت أغنية «I Will Always Love You» بوصفها رسالة وداع لواغنر، لتصبح لاحقاً واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ الموسيقى.
«جولين» و«سأحبك دائماً»
كان عام 1974 محطة أساسية في مسيرة بارتون مع أغنية «Jolene»، التي تحوّلت من نجاح في موسيقى الريف إلى كلاسيكية عالمية، وكانت موهبتها الأبرز، إلى جانب صوتها، قدرتها الاستثنائية على كتابة الأغاني، فقد كتبت آلاف الأغاني التي تناولت الحب والفقر والعمل والعلاقات والفخر والحرمان، بلغة بسيطة وقريبة من الناس.
أما «I Will Always Love You»، التي كتبتها عام 1973، فقد اكتسبت حياة جديدة تماماً عندما سجلتها ويتني هيوستن لفيلم «The Bodyguard» عام 1992، لتصل الأغنية إلى جمهور عالمي لم يكن بالضرورة يعرف موسيقى بارتون الأصلية. كما حققت أغنية «9 to 5» نجاحاً كبيراً بعد أن أدَّتها بارتون في الفيلم الذي حمل الاسم نفسه عام 1980، وهو العمل الذي رسخ حضورها السينمائي أيضاً.

(Foto: RCA Records / Wikimedia Commons – Public Domain / Cropped)
الفنانة التي امتلكت مسيرتها
لم تكتفِ بارتون بالنجاح الفني، بل أدركت مبكراً أهمية امتلاك حقوق أعمالها والسيطرة على مسيرتها، فأسست عام 1996 شركة نشر موسيقي خاصة بها بالاشتراك مع عمها، واحتفظت بحقوق عدد كبير من أعمالها، وهو ما منحها استقلالاً مالياً وفنياً نادراً في صناعة موسيقية كانت تهيمن عليها المؤسسات والرجال.
كان لرحيل دوللي بارتون صدى واسعاً في السويد أيضاً، حيث عبَّر فنانون وموسيقيون عن حزنهم، ووصفتها نجمة موسيقى الريف السويدية جيل جونسون بأنها فنانة غيّرت قواعد اللعبة بالنسبة للنساء في صناعة يهيمن عليها الرجال
امتدت تجربتها إلى السينما، فظهرت في «9 to 5» وأعمال أخرى، من بينها «Steel Magnolias»، كما أسست إمبراطوريتها التجارية، وكان من أبرز مشاريعها مدينة ملاهي «Dollywood».
وكانت صورتها العامة جزءاً من هذه السيطرة أيضاً: الشعر الضخم، الملابس البرّاقة، وخفّة الظل. لكنها استخدمت هذه الصورة بذكاء، وحافظت على التحكم في الشخصية التي تقدمها للجمهور بدل أن تسمح للصناعة بأن تحددها نيابة عنها.
إرث يتجاوز الموسيقى
لم يكن الإرث الثاني لبارتون موسيقياً، بل إنسانياً، ففي عام 1995 أسست «مكتبة الخيال»، وهي مبادرة تهدف إلى تشجيع الأطفال على القراءة من خلال إرسال الكتب إليهم مجاناً. بدأ المشروع في تينيسي، ثم تحوّل إلى برنامج دولي وزّع أكثر من 300 مليون كتاب. كما ارتبط اسمها بأعمال خيرية أخرى، من بينها تبرعها بمليون دولار لمركز فاندربيلت الطبي خلال جائحة كورونا، لدعم أبحاث ارتبطت لاحقاً بالجهود التي أسهمت في تطوير لقاح موديرنا.
دوللي ومايلي سايروس
كانت علاقتها بمايلي سايروس واحدة من أبرز الروابط التي جسّدت قدرتها على نقل إرثها إلى جيل جديد. ظهرت بارتون في مسلسل «Hannah Montana» بدور «العمة دوللي»، وكانت في الواقع عرّابة مايلي وصديقة مقربة لعائلتها. استمرت العلاقة بعد انتقال مايلي من نجمة ديزني إلى فنانة بالغة، وتعاونتا في عدد من الأغاني، أبرزها «Jolene»، كما شاركت بارتون في ألبوم مايلي «Younger Now»، ثم تعاونتا مجدداً في مشاريع لاحقة.
حزن يتجاوز أمريكا
كان لرحيل بارتون صدى واسع في السويد أيضاً، حيث عبَّر فنانون وموسيقيون عن حزنهم، ووصفتها نجمة موسيقى الريف السويدية جيل جونسون بأنها فنانة غيّرت قواعد اللعبة بالنسبة للنساء في صناعة يهيمن عليها الرجال.
أما الصحفي الموسيقي أندرس تينغنر، فأشار إلى أن إرثها الموسيقي يتجاوز حدود موسيقى الريف، لأن أغانيها استطاعت الوصول إلى أجيال مختلفة وحملت، في جوهرها، قدراً كبيراً من الدفء الإنساني.
أكثر من نجمة
يصعب اختزال دوللي بارتون في عدد الألبومات أو الجوائز أو ملايين التسجيلات التي باعتها. كانت مغنية ريفية تحوّلت إلى نجمة عالمية دون أن تتخلّى عن جذورها، وكاتبة أغاني أصبحت أعمالها أكثر شهرة بأصوات فنانين آخرين، وممثلة وسيدة أعمال وفاعلة خير وراعية للقراءة. وربما تكمن قوة إرثها الحقيقي في أنها استطاعت أن تصنع من شخصيتها الفنية مساحة تجمع بين النجاح والاستقلال والدفء، ولهذا، فإن رحيلها لا يمثل نهاية مسيرة فنية فحسب، بل نهاية فصل من الثقافة الشعبية الأمريكية لشخصية استطاعت، طوال أكثر من ستة عقود، أن تجعل صوتها وأغانيها وصورتها جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.
رحلت دوللي بارتون، لكن أغانيها ستظل تقول، بطريقتها الخاصة، إن بعض الفنانين لا يغادرون فعلاً، إنهم يتحوّلون إلى جزء من العالم الذي تركوه وراءهم.
