في الحادي عشر من أيلول – سبتمبر، قبل ثلاثة وعشرين عاماً، لم تفقد السويد وزيرة خارجية فحسب، بل فقدت واحدة من أكثر الشخصيات السياسية حضوراً في جيلها، وأكثرها قدرة على أن تجعل من السياسة حديثاً إنسانياً يتجاوز حدود المكاتب والبيانات الرسمية.
كان اسم آنا ليند، في السنوات الأخيرة من حياتها، مرتبطاً بصورة مختلفة للسياسي الأوروبي: امرأة شابة نسبياً، مباشرة في كلامها، شديدة الحضور، لا تخشى أن تدخل القضايا الدولية من باب القيم، وأن تقول في وجه القوة ما كانت ترى إنه ينبغي قوله، حتى عندما يكون الطرف الآخر دولة كبرى أو حليفاً غربياً أو حكومة تمتلك من النفوذ ما يجعل انتقادها مكلفاً.
في ذلك الصباح من أيلول – سبتمبر 2003، كانت السويد تستيقظ على خبر مقتل وزيرة خارجيتها بعد تعرضها للطعن في متجر NK في وسط ستوكهولم. كانت قد أُصيبت في اليوم السابق، ونُقلت إلى مستشفى كارولينسكا، لكنها فارقت الحياة في الحادي عشر من سبتمبر، عن ستة وأربعين عاماً، وهكذا دخل اسم آنا ليند التاريخ السويدي من الباب الأكثر قسوة: اغتيال سياسي في بلد لم يكن يتوقع أن يخسر أحد أبرز وجوهه بهذه الطريقة، وتؤكد سجلات الحكومة السويدية والبرلمان أن ليند تعرضت للهجوم في العاشر من أيلول – سبتمبر وتوفيت متأثرة بجراحها في صباح اليوم التالي.
كانت إحدى سماتها الأساسية أنها لم تكن تحب اللغة السياسية الباردة. كانت تتحدث بسرعة ووضوح، وتبدو في مواقف كثيرة أقرب إلى الناشطة السياسية منها إلى الدبلوماسية التقليدية، وهذا ربما كان أحد أسباب اتساع حضورها داخل السويد وخارجها.
لكن اختزال آنا ليند في يوم موتها ظلم لحياتها، فهي لم تكن شخصية ظهرت فجأة في قمة السياسة السويدية. كانت السياسة بالنسبة إليها مساراً طويلاً بدأ في سن مبكرة جداً. انخرطت في صفوف الشبيبة الاشتراكية الديمقراطية، ثم أصبحت عام 1984 أول امرأة تتولى رئاسة الاتحاد الشبابي الاشتراكي الديمقراطي SSU، قبل أن تدخل البرلمان، وتتولى لاحقاً منصب مستشارة بلدية في ستوكهولم، ثم وزيرة للبيئة، وصولاً إلى وزارة الخارجية عام 1998. درست القانون في جامعة أوبسالا، وعاشت السياسة بوصفها عملاً عاماً أكثر من كونها مجرد مهنة.
كانت إحدى سماتها الأساسية أنها لم تكن تحب اللغة السياسية الباردة. كانت تتحدث بسرعة ووضوح، وتبدو في مواقف كثيرة أقرب إلى الناشطة السياسية منها إلى الدبلوماسية التقليدية، وهذا ربما كان أحد أسباب اتساع حضورها داخل السويد وخارجها.
في السياسة الخارجية، لم تكن ليند ترى حقوق الإنسان زينة أخلاقية تضاف إلى القرارات الدولية بعد اتخاذها، بل كانت جزءاً من القرار نفسه، ولهذا انتقدت التدخل الروسي في الشيشان، ووقفت في مواجهة سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، ودافعت عن حل الدولتين، وانتقدت معاملة المعتقلين في غوانتانامو، كما عارضت الحرب على العراق عام 2003 لأنها لم تحظَ بتفويض من الأمم المتحدة. هذه المواقف جعلت صوتها واضحاً في عالم كانت السياسة الدولية فيه، ولا سيما بعد هجمات 11 أيلول – سبتمبر 2001، تتجه بصورة متزايدة نحو منطق الأمن والحرب، ولعلَّ إحدى أكثر صفحات تجربتها أهمية كانت علاقتها بالمشروع الأوروبي.
في ملف فلسطين، على سبيل المثال، كانت مواقفها من أكثر مواقف السياسة الأوروبية وضوحاً في زمنها. لم تكن تعتبر الدفاع عن حق الفلسطينيين متعارضاً مع حق إسرائيل في الوجود، بل كانت ترى أن الطريق إلى السلام يمر عبر دولة فلسطينية وحل سياسي عادل
آنا ليند كانت من الجيل السويدي الذي رأى في أوروبا أكثر من اتحاد اقتصادي. كانت ترى في التعاون الأوروبي وسيلة لتحويل القارة، التي خرجت من تاريخ طويل من الحروب والقوميات المتصارعة، إلى مساحة للتفاوض والتسويات والعمل المشترك، وخلال الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي عام 2001، لعبت دوراً مهماً في السياسة الخارجية الأوروبية، وكان ذلك واضحاً بصورة خاصة في أزمة مقدونيا السابقة ليوغوسلافيا، عندما كان شبح صراع جديد يلوح في البلقان. عملت ليند، إلى جانب خافيير سولانا، كمبعوثة أوروبية في المنطقة، وساهمت في توحيد المواقف الأوروبية ودفع الأطراف باتجاه تسوية أبعدت البلاد عن الانزلاق إلى حرب واسعة، ولهذا تحتفظ المؤسسات الأوروبية بذكراها بوصفها واحدة من الأصوات السويدية التي ساهمت في بناء حضور أوروبي أكثر تماسكاً على الساحة الدولية، وهنا تكمن المفارقة الجميلة في سيرتها: المرأة التي أصبحت لاحقاً رمزاً للسياسة الخارجية السويدية لم تكن ترى العالم من زاوية القوة، بل من زاوية القدرة على منع القوة من أن تتحوَّل إلى قدر. كانت تؤمن بأن السياسة تستطيع أن تفعل شيئاً، وهذا الإيمان هو الذي جعلها شخصية صعبة التصنيف. لم تكن حمامة سلام بالمعنى الرومانسي، ولم تكن ثورية خارج المؤسسة، ولم تكن دبلوماسية تكتفي بإدارة الخلافات. كانت سياسية تؤمن بالمؤسسات، لكنها كانت تريد لهذه المؤسسات أن تقول شيئاً للإنسان الذي يقع تحت وطأة الحرب أو القمع أو التمييز.
في ملف فلسطين، على سبيل المثال، كانت مواقفها من أكثر مواقف السياسة الأوروبية وضوحاً في زمنها. لم تكن تعتبر الدفاع عن حق الفلسطينيين متعارضاً مع حق إسرائيل في الوجود، بل كانت ترى أن الطريق إلى السلام يمر عبر دولة فلسطينية وحل سياسي عادل. وفي العراق، رفضت منطق الحرب الذي بدأ يتسع في الغرب، متمسكة بمبدأ القانون الدولي ودور الأمم المتحدة.
كانت تلك المواقف تجسد شيئاً أكبر من آنا ليند نفسها: صورة السويد التي كانت تحاول أن تحتفظ بمكان لها في العالم بوصفها دولة صغيرة، لكنها لا تريد أن يكون صغرها سبباً للصمت، ولهذا ارتبطت صورتها أيضًا بصورة السويد التي أرادت أن تكون وسيطاً، وصوتاً لحقوق الإنسان، ومدافعاً عن التعاون الدولي. وقد وصفتها المؤسسات الأوروبية لاحقاً بأنها كانت من أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة السويدية الحديثة، خصوصاً في المجال الأوروبي والدولي.
ثم جاءت الحملة المتعلقة باليورو…
في أيلول – سبتمبر 2003 كانت السويد على بعد أيام قليلة من الاستفتاء على اعتماد العملة الأوروبية الموحدة، وكانت آنا ليند من أبرز وجوه حملة «نعم» لليورو. لم يكن اغتيالها مجرد مأساة شخصية أو سياسية، بل وقع في لحظة مشحونة أصلاً بالنقاش العام حول مستقبل السويد وعلاقتها بأوروبا، ومع ذلك، من المهم ألا نحمّل موتها أكثر مما يحتمل. لا توجد في الأحكام القضائية التي أدانت قاتلها مايثبت أن الجريمة كانت مرتبطة بالاستفتاء أو بعملها السياسي. لقد أُدين مياييلو مياييلوفيتش بالقتل وحُكم عليه بالسجن المؤبد في نهاية المسار القضائي، بعدما كان قد اعترف بالجريمة، لكن المحكمة “لم تثبت دافعاً سياسياً محدداً” وراء الاغتيال.
مأساة آنا ليند هائلة. يكفي أن امرأة في السادسة والأربعين، كانت في قلب العمل السياسي الدولي، خرجت في وضح النهار، ودخلت متجراً في وسط العاصمة، ثم عادت بعد ساعات جثةً تحمل معها أسئلة كثيرة عن هشاشة الحياة العامة، وعن حدود الأمان الذي ظنت مجتمعات كثيرة أنه مضمون. كان الاغتيال صدمة وطنية. وفي الأيام التي تلت موتها، بدت السويد كأنها فقدت شيئاً يتجاوز منصباً حكومياً، فقد كان المجتمع السويدي، إلى حد بعيد، معتاداً على الاعتقاد بأن السياسة يمكن أن تكون آمنة، وأن العنف السياسي لا يطرق أبواب الحياة اليومية بسهولة، لكن اسم آنا ليند بقي بعد الجنازة، وبعد التحقيق، وبعد المحاكمة، وبعد أن هدأ الخبر، بقي في الذاكرة السياسية، وبقي أيضاً في الذاكرة العائلية، وهي ربما الذاكرة الأكثر قسوة.
هذا العام، أعاد حديث ابنها دافيد ليند عن تجربته الشخصية فتح نافذة نادرة على تلك الزاوية التي تختفي عادة خلف صور السياسيين وشاشات التلفزيون. كان في الثالثة عشرة من عمره عندما قُتلت والدته، وقد تحدّث للمرة الأولى بصورة علنية عن الحزن الذي حمله سنوات طويلة، وعن محاولته أن يعيش بعيداً عن الشفقة وعن شهرة الاسم الذي لم يختره، وهنا تتغيّر صورة آنا ليند قليلًا. خلف وزيرة الخارجية التي تظهر أمام الكاميرات، وخلف المرأة التي تخوض النقاشات الدولية وتصافح الرؤساء والوزراء، كانت هناك أم تعود إلى بيتها، وابنان يعرفانها خارج لغة السياسة، وهذا هو الجانب الذي لا تستطيع كتب التاريخ أن تحفظه بالكامل، فالسياسيون يعيشون في السجلات الرسمية، لكن أبناءهم يعيشون في التفاصيل.
حين كانت تتحدث عن فلسطين، كانت تنطلق من إيمان بأن السلام لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، لهذا ربما تستعيد السويد اسمها اليوم، لا لأنها تريد استحضار امرأة من الماضي فقط، بل لأنها تعيد النظر في سؤال بسيط: ماذا كانت تعني تلك السياسة التي جعلت القيم جزءاً من اللغة الرسمية للبلاد؟
في صباح اليوم التالي لاغتيالها، لم تكن هناك «وزيرة خارجية» بالنسبة إلى عائلتها. كانت هناك أم غائبة، وربما لهذا كان حديث دافيد، بعد أكثر من عقدين، من أكثر ما أعاد آنا ليند إلى معناها الإنساني لا السياسي، فالموت لا ينتهي عندما يُغلق التحقيق أو تصدر المحكمة حكمها، هناك حياة أخرى تبدأ بعد ذلك، حياة الذين بقوا.
بعد ثلاثة وعشرين عاماً، تبدّلت السويد كثيراً، وتبدّلت أوروبا أكثر. العالم الذي كانت آنا ليند تنتمي إليه كان لا يزال يتحدث عن العولمة والتوسع الأوروبي، عن قدرة الدبلوماسية على احتواء النزاعات، وعن دور القانون الدولي في منع الحروب. أما اليوم، فالقارة تواجه حرباً روسية في أوكرانيا، وإبادة جماعية في غزّة، وتوترات عالمية متصاعدة، وأزمات هجرة، وصعوداً قوياً للشعبوية، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات، بالإضافة إلى عودة لغة القوة العسكرية إلى قلب السياسة الأوروبية، وفي عالم كهذا، تبدو بعض مواقف آنا ليند أقل أرشيفية مما نتصور، فحين كانت تتحدث عن حقوق الإنسان، كانت تتحدث عن مبدأ، وحين كانت تدافع عن العمل الأوروبي المشترك، كانت تدافع عن فكرة أن الدول الصغيرة تستطيع أن تزيد قوتها عبر التعاون بدل العزلة، وحين كانت تنتقد حرب العراق، كانت تضع السؤال القانوني والأخلاقي قبل السؤال العسكري، وحين كانت تتحدث عن فلسطين، كانت تنطلق من إيمان بأن السلام لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، لهذا ربما تستعيد السويد اسمها اليوم، لا لأنها تريد استحضار امرأة من الماضي فقط، بل لأنها تعيد النظر في سؤال بسيط: ماذا كانت تعني تلك السياسة التي جعلت القيم جزءاً من اللغة الرسمية للبلاد؟ هذا السؤال يجعل ذكرى آنا ليند أوسع من الاشتراكية الديمقراطية، وأوسع من اليورو، وأوسع حتى من السياسة الخارجية. إنه سؤال عن نوع السياسي الذي نريده. عن السياسي الذي يستطيع أن يكون جزءاً من المؤسسة دون أن يصبح أسيراً لها. عن السياسي الذي يستطيع أن يدافع عن بلده دون أن يتحوّل إلى أسير للقومية. عن السياسي الذي يرى أن العالم ليس مجرد ملعب للمصالح، وأن القانون الدولي ليس خطاباً احتفالياً، وأن حقوق الإنسان ليست امتيازاً تمنحه الدول القوية للضعفاء متى شاءت.
آنا ليند لم تكن شخصية بلا أخطاء، ولم تكن فوق النقد، ولا ينبغي للذكرى أن تحوّل السياسي إلى تمثال، لكن قيمة شخصيتها تكمن في وضوح الاتجاه الذي اختارته، وفي الطاقة التي وضعتها في العمل العام، وفي قدرتها على الجمع بين الحماسة السياسية والإيمان بالتعاون الدولي، وما يجعل موتها أكثر إيلاماً أن مسيرتها بدت، عند انقطاعها، كأنها توقفت في منتصف جملة.
كانت لا تزال في السادسة والأربعين.
وكان اسمها مطروحاً بقوة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بوصفها شخصية يمكن أن تلعب دوراً أكبر في مستقبل الحزب، وكانت لا تزال تمتلك مساحة واسعة للنمو السياسي، في السويد وأوروبا، قبل أن تُغلق حياتها فجأة. وتشير المصادر التي استعرضت سيرتها إلى أنها كانت تُعد من أبرز الشخصيات المرشحة لخلافة غوران بيرشون في قيادة الحزب، لكن التاريخ لا يعرف «ماذا لو». لا يستطيع أن يخبرنا ماذا كانت ستفعل آنا ليند لو عاد؟ هل كانت ستصبح رئيسة للوزراء؟ هل كانت ستتولى منصباً أوروبياً أكبر؟ هل كانت ستغيّر مواقفها مع تغيّر العالم؟ لا أحد يعرف. ما نعرفه فقط هو ما تركته وراءها، وتركتها لم تكن مجموعة خطابات أو مناصب حكومية وحسب، بل نموذجاً لسياسي آمن بأن الكلمات يجب أن تقود إلى موقف، وأن المواقف يجب أن تقود إلى مسؤولية. وفي كل عام، عندما يحل الحادي عشر من أيلول – سبتمبر في السويد، تطفو إلى السطح صورة تلك المرأة ذات الصوت الواضح، التي كانت تمشي في ستوكهولم كما يمشي الناس العاديون، وتدخل المتاجر دون موكب أو حراسة مشددة، وتتحرّك في المدينة التي أحبّتها بوصفها مواطنة قبل أن تكون وزيرة، وربما تكمن قوة هذه الصورة في بساطتها. آنا ليند لم تكن بعيدة عن الناس. كانت واحدة منهم، ثم أصبحت ممثلة لهم، ثم غابت قبل أن تكتمل قصتها، وفي النهاية، لم يصبح إرثها في قدرتها على تغيير العالم كما كانت تحلم، بل في الطريقة التي أجبرت بها حياتها القصيرة وموتها العنيف بلاداً كاملة على أن تفكر في معنى السياسة، وفي معنى أوروبا، وفي معنى الشجاعة حين يكون الإنسان داخل مؤسسة لكنه لا يسمح للمؤسسة بأن تبتلع إنسانيته. ثلاثة وعشرون عاماً مرّت منذ ذلك اليوم. المدينة تغيّرت، والحكومة تغيّرت، والعالم تغيّر ويتغيّر، لكن بعض الأصوات لا تختفي بالكامل حين تموت. تعود كلما احتاج الناس إلى تذكّر أن السياسة يمكن أن تكون أكثر من صراع على السلطة، وأن الدولة يمكن أن يكون لها ضمير، وأن المرأة التي تدخل التاريخ ليست بالضرورة من عاشت أطول، بل أحياناً من تركت وراءها سؤالاً لا يزال مفتوحاً: ذلك هو السؤال الذي تركته آنا ليند للسويد وربما لأوروبا كلها. هل يمكن أن نبقى أقوياء من دون أن نفقد إنسانيتنا؟
بعد ثلاثة وعشرين عاماً، لا تزال الإجابة قيد البحث!.
