ليس لبيد اختصاراً لأسم عراقي عاش المنفى، وتذوَّب فيه بطريقته. إنه تحوُّل في المعطى الإنساني الذي حاق بكل هذه المخلوقات الآدمية، وهي تُجرّب العذاب، وتتقلَّب على جمر الغياب المهلك فرادى وجماعات. بما يخص لبيد الذي جرَّب حمل اسمه رغماً عنه، يمكن أن نقول إن صاحبه كان متواطئاً مع الغربة درجة أنه كان مستعداً – كما كان يقول- لشرائها بمبلغ مليون دولار على أن يعود للعراق صريحاً وحيَّاً ومعافى بعد أن غادره متخفياً منذ حوالي أربعة عقود. لبيد كان يعرف دلالة اسمه، وأكاد أجزم أن كل العراقيين قد شاركوه هذه الدلالة في أوقات سابقة قبل أن يخذله المنفى منذ أقل من عقد، فيترك طاولته في مقهى الروضة الدمشقي، ويسلّم أوراق القنصل الفخري للريح، ويعود طائعاً إلى العراق بعد أن سئم من المنفى وحكاياته الطويلة التي لا تنتهي.
كان الجميع –في المقهى- متيقظاً ويقف عند الحروف الأبجدية التي يتكوَّن منها اسم أبوحالوب، بعد أن ضاع لبيد في زحمة الكون، وتشتت بعد أن غادر وطنه نهاية منتصف سبعينيات القرن الماضي، وأصبح على ما أصبح عليه: أبوحالوب الذي لا يمتلك من قوة الأسد شيئاً، بعد أن جرَّب القعود على كرسي من الخيزران، وبمحاذاة طاولتين، واحدة للصباح، وواحدة للمساء في ذات المقهى الدمشقي، بعد أن قسّم غربته إلى فترتين، وهو لابدٌ ومتمسكٌ بالقطار الذي سيمر سريعاً ذات يوم دون أن يراه، أو كان يعد نفسه بألا يراه حين كان محصَّناً ضد المنفى.
كان أبو حالوب يضحك في عرينه المفتوح على الخيبات، بأكثر مما نضحك، وكان يظل لابداً دون أن يقصد فريسة من أي نوع، وهو لم يكن يعرف من قوة الأسد سوى ما قرأه عن ثمانين معنى يحملها ملك الغابة في القاموس المحيط. “أعرف أن أظل لابداً في مكاني .. هذا ما استسقيته من الوحش الضاري في منامي وصحوي”.
ليس للمواطن لبيد (أبو حالوب) ، الذي قدّر للشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري أن يكتب بضعة أبيات فيه ، صنفت في باب (الإخوانيات) فيما بعد، أن يتحوَّل إلى مرجعية عراقية في المنفى دون أدنى سلطة سياسية أو اقتصادية أو روحية، لولا تحوّله إلى اسم كوني طافح بالدلالات لرجل أضاع اسمه الحقيقي في زحمة الأسماء الكثيرة التي أتقن العراقيون التفلَّت منها بحكم مراسهم الطويل الصعب في المنفى المركّب بجهوزية قلَّ نظيرها عند شعب آخر، وهم الذين أتقنوا أيضاً السباحة الحرة في محنة الأسماء المستعارة المُحيّرة: أسماء كثيرة مرّت من فوق رؤوسنا ودارت على ألسنتنا ونسينا بعضاً منها. أسماء كثيرة لم تحظَ بشرف المنافسة من أحد. حتى الفلسطينيون الذين تفننوا باختراع الأسماء الحركية والألقاب الثورية لم يقووا عليهم، فقد ظلَّ العراقيون على عنادهم المحيّر بما يخص أسماءهم المستعارة التي كانت تستند إلى مرجعيات دينية ويسارية وقومية وثورية كانت تقوى وتشتد مع مغادرة كل عراقي للعراق الرازح تحت ديكتاتورية لا ترحم .
كان أبو حالوب ظاهرة فريدة بين كل هؤلاء. كان قنصلاً في المنفى، وفي البيت الذي امتدَّت جذوره إلى عشوائيات دمشق، واسمه لم يكن يعبر عن كل هذه المرجعيات. إنه ببساطة: “مزاج بغدادي لا يستند إلى إحالة فئوية أو حزبية”. مزاج بغدادي استمدَّ قوته من تشردٍ سابقٍ في عواصم الدول الاشتراكية، وهو قد أصبح بعد هذا التشرد (الفجّْ) رفيقاً برتبة عامل مطبعة. كان عليه أن يتخذ لنفسه اسماً يبعد عنه شبهة (اللابد الأبدي) في أمكنة متعددة. كان أبوحالوب في مقدمة هذه الأسماء، لأنه الاسم المُستخلص من التجربة السوفياتية، والأٌقرب إليها. ولم يكن الاسم إلا مفخرة عراقية خالصة، ف ( الحالوب ) هو البَرَدْ، أو حب العزيز، وهو مقترح الاسم المستعار الذي وجد فيه ملجأً إضافياً يعينه على البرد الموسكوفي، ويحمي “زئيره” الافتراضي في المنفى ليدافع عن نحولته ومساكنته الأبدية للضعف البشري، أو للتخلًص، ولو إلى حين من محنة الأسماء المستعارة التي أوغل العراقيون فيها دون رحمة.
بالتأكيد لا يمكن الآن العبور نحو أي من هذه الأسماء دون الاصطدام بلبيد في زاوية عراقية ما. متخفياً أو متنكراً، وقد يغدو أمراً مستحيلاً، فالرجل الذي أمضى ثلاثة عقود ونصف من عمره في مقهى قبل أن يستسلم ويعود للعراق لم يكن مجرد غمامة عند طاولتين، فهو أصبح ملماً بأسرار المنفى الجائر، لا يغيب عنه صاحب سر أو فضيلة أو خرافة متوقدة في ذهن عراقي، وهو قد تجاوز رتبة القنصل الفخري المقيم في المنفى. لم تعد هذه الجهة تثير فيه لحن الخوف والاستغراب، فمكانه قد سلفاً تحدد على طاولتين خرافيتين لم يغادرهما إلا باتجاه مصير الاسم نفسه الذي اقتبسه عن سابق تصور وتصميم من تلك البلاد السوفياتية الباردة، بعد أن قضى فترة طويلة هناك يسائل نفسه عن أسباب دهن الرفاق لجذوع الأشجار بالكلس الأبيض ، دون أن يصل إلى إجابة شافية.
كانت بلاد ناتاشا وسفيتلانا مرحلة عابرة للتملّص من حقبة الجواهري الكبير، وهو لم يعد يذكر من لبيد سوى أبيات (أبي فرات)، فقد ضاعت ذكرياته الأخرى عنه، ومع ذلك أراد أبو حالوب أن يفلت من سطوة الشاعر على اسمه وماضيه:”كنت في التاسعة من عمري عندما رآني الجواهري بصحبة والدي، وقال ما قاله” .- يقولها وكأنه ارتكب جناية ما – “العراق لن يعود إلى سابق عهده، فهو بلد حروب وتصفيات، وانتهى عن بكرة أبيه .. سأنتظر خمسين عاما أخرى قبل أن أقرر عودتي “.
لكن أبو حالوب فعلها وعاد، فلقد أدرك بصفاء سريرته المُعَدَّة للمزاح الأبدي إنه قطع مسافة كبيرة من عمره، وهو له طريقة في عدّ أيامه الباقية، تبدأ من تذويب السكر في “استكان” الشاي ، فيما هو يغمر الصحن بملاعق صغيرة من السائل الأحمر، بحجة انتزاع طبقة الدهن التي تتجمَّع فوق طبقة الشاي الساخن، ولا تنتهي بارتشافه ثانية في لحظة نشوة. ومن المؤكد أن كان هناك طريقة أسهل في عدّ أيامه على طاولتيه المفضلتين من خلال الأصدقاء الذين كانوا يتوافدون عليه يومياً للنأي بمزاجه البغدادي عن السأم، وهم يعودونه طائعين، كما لو أنه (ماكيير) حيواتهم الصعبة . كانوا يقصدونه سلماً وحرباً عبر رسائل الهواتف الجوالة، ويتخاطرونه عبر المسنجر، فيما هو كان ينتظرهم خمسين عاماً أخرى في زحمة المنفى قبل أن يعود من ورائهم إلى العراق، قبل أن يخذلهم ويسبقهم إلى ملاعب الصبا والشباب، ومعه شراب الساكي الذي جلبه له صديقه الشاعر السوري المقيم في طوكيو محمد عضيمة. مع الشراب الياباني القوي أصبحت لعبة المنفى أشد طرواة، ربما، فهو حتى ذلك الحين لن يُغيّر شيئاً من عاداته:” سأجيء كل يوم في الثامنة صباحاً، وسأغادر لتناول طعام الغداء في الثالثة وعشر دقائق، وأعود إلى تربتي الثانية في الرابعة إلا ربعاً، ولن أغادر المقهى إلا في العاشرة وخمس دقائق ليلاً”.
من المؤكد أن أبو حالوب أراد في متاهته أن ينسى أبيات الجواهري التي تذكره بفروسية لبيد الضائعة. هو ليس سجل اختفاء. ليس أبو حالوب سجل اختفاء أبداً. إنه ظاهرة عراقية لا تتكرر، أتقنت تركيب الأسماء بجدارة تدعو للعيش، وأبو حالوب عاش حياته في المنفى بجدارة كما ينبغي أن تعاش، وهو من بعد كل تلك الجسارة كان قد تمتَّع بجدارتين : الطاولة الصباحية التي تعكس مزاجاً بغدادياً لا تستوطنه الفئويات الحزبية المهلكة، والطاولة الثانية التي عكست مزاجاً دمشقياً متلوناً لم يكن خالياً بدوره من تنغيصات حلم العودة إلى العراق. وبين الحالتين لم يعد لبيد إلى مكانه الأصلي بالرغم من أنه قد عاد، فما بقي من أبي حالوب تعدَّى حبتين أو ثلاث حبَّات من آخر زخّة من زخّات حب العزيز (البَرَدْ) ، وماقاله محمد مهدي الجواهري سبق وشكَّل له ورطة كبرى أراد أن يتخلَّص منها في حينه بعون من الرفاق في المنفى الطوعي، الرفاق الذين كانوا يطعنون في السن على مرأى منه، ووحده ماقاله أبو فرات كان سجلَّ اختفاءٍ نادرٍ بحق الفتى (أبوحالوب) الذي سئم فجأة من المنفى، وعاد إلى ربوع بلاده كما كان فتياً، وكأن العمر لم يمسه أبداً:
ألبيد عشت الدهر عمر لبيد
غض الصبا ، ألقا ، طري العود
أهديك من شعري أعز وليدة
زفت إليك ، وأنت خير وليد
ألبيد نحن الأسبقون معابر
لممر جيل من ذويك جديد.
