الأربعاء, 25 فبراير 2026

تواجه الثقافة في السويد اليوم منعطفاً حاسماً، مع تراجع غير مسبوق في حجم الدعم العام وغياب رؤية سياسية واضحة تضمن حق الجميع في الوصول إلى الحياة الثقافية،فبينما تتحدَّث الحكومة عن أهمية الثقافة ودورها المجتمعي، تكشف الأرقام عن واقع مغاير يتمثَّل في تخفيضات حادة تضرب جوهر البنية الثقافية في البلاد. هذا المقال، كما نشر في صحيفة Expressen يسلط الضوء على التحوّل التاريخي الذي شهدته السياسة الثقافية مع حكومة «تيدو»، ويعرض كيف باتت الثقافة تُعامل كعبء يمكن الاستغناء عنه، لا كحق دستوري وركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي والديمقراطي.

مقارنةً بالسنوات التي سبقت جائحة كورونا، تراجعت النفقات العامة الإجمالية على الثقافة في السويد بنحو ملياري كرونة، وتتحمَّل الدولة المسؤولية عن الجزء الأكبر من هذا الانخفاض. إنه تحول تاريخي حدث مع تولي حكومة «تيدو» السلطة، كما يكتب اتحاد العاملين في قطاع الثقافة والإعلام (DIK).

استراتيجية “البيض في سلتين” الفاشلة

وضعت وزيرة الثقافة، باريسا ليليستراند، كل بيض السياسة الثقافية الحكومية في سلتين فقط: «قانون ثقافي سويدي» والتمويل الخاص. إنها استراتيجية فاشلة. فعندما تتخلى الدولة عن مسؤوليتها تجاه الرفاه الثقافي المنصوص عليه في الدستور، لا تستطيع الأقاليم والبلديات تعويض هذا العجز، وهكذا تتحوّل إمكانية الوصول إلى الثقافة إلى «يانصيب رمزي بريدي»، حيث يخسر عدد متزايد من السكان – خصوصاً في المناطق الريفية والنائية – فرصة الاستفادة منها.

لا تُخفي وزيرة الثقافة انزعاجها من حساب حصة الثقافة من إجمالي الميزانية، وهو أمر مفهوم. ففي عهدها، انخفضت نسبة ميزانية الثقافة إلى مستوى لم تشهده السويد منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً،. وهذا بحد ذاته يعكس بوضوح أولويات الحكومة.
لكن هل يمكن القياس بطرق أخرى؟ بالطبع.

أرقام جديدة: دفع الثقافة نحو القاع

ينشر اتحاد DIK الآن أول تقرير من ثلاثة تقارير مرحلية حول تمويل الثقافة بعنوان: «أين في البلاد يُستثمر أكثر – وأين أقل – في الثقافة؟». وفيه، نُراعي وجهة نظر وزيرة الثقافة عبر النظر أيضاً إلى النفقات الفعلية بالكرونات والأوروات، مع تعديلها بحسب التضخم لضمان المقارنة عبر الزمن. للأسف، لن تُسعد هذه الأرقام الوزيرة أيضاً. فالنفقات العامة الفعلية على الثقافة تراجعت بشكل حاد. وبالمقارنة مع سنوات ما قبل الجائحة، انخفض الإنفاق العام على الثقافة بنحو ملياري كرونة، تتحمَّل الدولة وحدها نحو 1.5 مليار كرونة من هذا التراجع. إنه تحوّل تاريخي تزامن مع وصول حكومة «تيدو». كما انخفض إنفاق الأقاليم، بينما حاولت البلديات الصمود، ولكن بشكل هامشي جداً.

محاسبة إبداعية ولكن…

ومهما كانت طريقة الحساب، فإن الأرقام واضحة: الحكومة تدفع بالثقافة إلى القاع. وللحصول على نتيجة مختلفة، إما اللجوء إلى محاسبة إبداعية مبالغ فيها، أو – وهو الحل الأفضل – الاستثمار الحقيقي في الثقافة. تجاهل الواقع وترديد «كل شيء بخير» ستكون له عواقب خطيرة.

تصبح الحياة أفقر عندما تُقلَّص ساعات عمل المكتبة العامة، وعندما تُجبر مدارس الفنون على تقليص أنشطتها، وحين تختفي زيارات المتاحف لطلاب المدارس. أو عندما يصبح أقرب مسرح على بعد عشرين ميلاً، وعندما تلتهم الحشرات الأرشيف البلدي ويتدهور التراث الثقافي المحلي

ولا تصبح الحياة أفقر فقط، بل أقل أماناً أيضاً. فالحياة الثقافية النابضة تُعزز الشمول، وتبني الروابط، وتحافظ على تماسك المجتمع. الروابط التي تتشكل في الجوقة المحلية، أو نادي ألعاب الأدوار، أو غرفة التدريب الموسيقي، تجعلنا أقوى – كأفراد وكمجتمع. نتعرَّف إلى بعضنا، ونهتم ببعضنا البعض. وهذا يشكل ضمانة في أوقات السلم، وحبل نجاة ضرورياً في أوقات الأزمات والحروب.

جعل السويد أفقر

يتحدَّث جميع السياسيين – بمن فيهم وزيرة الثقافة – بحماس عن أهمية الثقافة. لكن زمن الكلمات الجميلة قد انتهى. الآن حان وقت فتح المحافظ. عدم القيام بذلك هو تقصير جسيم. إن الرفاه الثقافي – أي حق الجميع في الوصول إلى الثقافة وممارستها في مختلف مراحل الحياة – ليس ترفاً اختيارياً. بل هو حق دستوري منذ أكثر من خمسين عاماً.

سياسات الحكومة وحزب ديمقراطيي السويد الثقافية تجعل السويد أفقر وأكثر هشاشة. فهي تُعمّق الاستقطاب بدل بناء التماسك، وتُفكك البلاد. وحتى أكثر أحلام وزيرة الثقافة جرأة بشأن التمويل الخاص لن تكون كافية لمعالجة ذلك.

على الدولة أن تتحمَّل مسؤوليتها في توفير تمويل أساسي ومستقر، يمكن للأقاليم والبلديات – وكذلك الممولين من القطاع الخاص – البناء عليه. عندها فقط يمكننا إنشاء رفاه ثقافي حقيقي… في جميع أنحاء البلاد.

اترك تعليقاً

Exit mobile version