الثلاثاء, 7 أبريل 2026

تبدو الترجمة السويدية للفيلم الوثائقي البديع (54 دقيقة) عن المصور الفوتوغرافي العراقي الراحل لطيف العاني أكثر دقة من مثيلتها الإنكليزية، ففي ظننا أن (جمال العراق الضائع) أقرب إلى تمثّل المحتوى من (جمال العراق الخفي)، فأمامنا ثمة ما يشي بتدفق غير متقطع في الزمن، وأن هناك ما يستوجب جلاءه عبر العدسة الذكية والمرهفة للمخرجين الكردي العراقي سهيم عمر خليفة، والبلجيكي يورغن بيودتز.

الشعر الفوتوغرافي

يدور الحديث هنا عن ذاكرة العاني البصرية، وهو حديث متدفق بالرغم من أن المصور –مادة هذا الحديث- قد توقف عن التصوير بعد أوامر صدام حسين مطلع ثمانينات القرن الماضي بحظر التصوير في الأماكن العامة، كما هو حال كل ديكتاتور في كل زمان ومكان يحاول أن ينسب ذاكرة المكان الذي “يغتصبه” إلى نفسه بصنع ذاكرة جديدة له عن طريق محو كل ما تقدم من أسماء للأمكنة السابقة عليه، وإضفاء أسماء جديدة عليها، حتى وان تطلَّب الأمر منه محو كل ذاكرة مكانية وشفهية لا تنتمي إليه، وهنا تكمن المأساة الأولى للمصور الكبير لطيف العاني التي ساهمت بتضييع الكثير مما كان يعد الحضارة الإنسانية به، فالعراق أرض الحضارات، وهو مهد محفوف بالمخاطر، ولاينقاد بسهولة للشعر الفوتوغرافي الذي امتازت به صور العاني، أو لايسلم نفسه إليها بسهولة، ولم تكن لتكفيه آلاف العدسات من أجل حصره في مجلدات النسخ السالبة التي ميزت عصر العاني عن العصر الرقمي، فيما تكمن المأساة الثانية بالحرب الأميركية على العراق في 2003، والتي تسببت بخراب ودمار مكينين، وضياع حوالي ربع مليون نيغاتيف من الإرث المصور عن هذا البلد العظيم إلى الأبد.

حروب متتالية

مايفعله المخرجان بفيلمهما هو إعادة لطيف العاني نفسه إلى مجرى النهر الفوتوغرافي الذي تدفقت منه صوره منذ خمسينيات القرن الماضي، وحتى توقف كاميراته عن تلك التكَّة العميقة التي تترافق مع التقاط كل صورة، وليس ظهور سهيم عمر خليفة مع المصور كمرافق ومحاور متنقل معه في سيارة “بونتياك” قديمة، من النوع المفضل للعاني نفسه على ما يبدو، من أجل القيام بجولات ميدانية من شمال العراق إلى جنوبه، وقيامه بغسلها في محاولة منه لنفض الغبار عنها إلا محاولة ذكية إخراجية للبدء بالنبش في ذاكرة حملت الكثير من الجمال العراقي الذي فقد للأبد مرتين في حالة لطيف العاني: مرة بتغيّر الأمكنة تلقائياً، وبعضها من دون مسوّغات، بحكم الهجمة الحضرية غير الشفوقة عليها، ومرة بالحروب المتتالية التي عرفها العراق في عصره الحديث، وعصفت بمدنه وقراه واستراتيجيات تواجده على الخريطة الكونية.

الذي بقي من أرشيف لطيف العاني يحمل في طيَّاته نذر الخلود للأمكنة التي مرَّ عليها بعدسته، لكن الأمكنة لم تعد هي ذاتها، وان لم تطلها الحرب أو يد الديكتاتور، فإن ديكتاتورية الزمن نفسها أمكنها أن تغيّر الكثير، وتسبب الشقاء والحرمان لذاكرات مقبلة، وهي تتسبب باليأس لها ولأصحابها، وكأن مآل الصورة الفوتوغرافية يتمثل بإفساد تلك البرهات التاريخية التي عبرت كالطيوف من أمام عدسة العاني الرهيفة، وهي طيوف شاهدة على نهضة العراق قبل أن تتحول إلى نقمة، إذ لايفوت العاني أن يذكرنا بأنه كان من الأفضل للعراق ألا يكون فيه نفط، ربما استحال تدميره حينها على أية حال، لأن الشعب نفسه سوف يبحث عن مآلات أخرى للتطور والازدهار، ولم ين ليعرف كل هذه الحروب التي مرت من فوق رأسه.

كاميرا بدينار ونصف

بدأ لطيف العاني المولود في كربلاء سنة 1932 التصوير الفوتوغرافي في سن مبكرة جداً حين اشترى له شقيقه كاميرا بدينار ونصف، وقد وجد الفتى نفسه يعمل في أستوديو نيسان للتصوير في شارع الرشيد ببغداد، ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع شغفه بصور الأسود والأبيض، وظل “ممالئاً” لها حتى اللحظات الأخيرة من حياته الفوتوغرافية -قبل أن يتوقف مرغماً- وبدت كما لو أنها في أمكنة كثيرة تتمرد عليه، وتصنع ألوانها الخاصة من شاعرية متوحشة نصَّب العاني عدسته عليها “مليكة” لاتُصد، وهي تفك الحجب والقطبات المخفية في هذا الجمال الذي لا يتكرر في الأهوار وسواها من الأمكنة التي عبرت من أمام المغلاق الذكي والمرهف للعاني، وقد استنطقها بتخييل أبدي سيبقى –بعضها- محفوظاً في العلب والذاكرة الإنسانية طالما بقي هناك نيغاتيف – لا نعرف إلى متى يمكن أن يصمد ويستمر في صنع ذاكرة متجددة للأجيال القادمة– وان بدا أنه يمكن تخزينه بطرق أفضل وأكثر نجاعة مع تطور التكنولوجيا الرقمية، وإعادة ترميمه وحفظه للزمن القادم، حتى لا يضيع ما بقي من شواهد على وجود العراق نفسه، وهو لا يبدو –العراق- أنه في طريقه للعودة قريباً من مآلات القبح، والشناعة، والطائفية، والاحتراب القاتل بين مكونات الهوية العراقية نفسها، وكل ذلك يتم على مرأى الجميع، وبقوة تدميرية تفوق ماحدث ربما في الحربين الأولى والثانية اللتين انتهتا بدمار بلدان كثيرة لكنها لم تحشرها في مثل هذه الغيبوبة التي حشر فيها العراق حشراً.

أوذيسة فوتوغرافية

الجولات الميدانية التي ميزت براعة هذا الفيلم الوثائقي في التقاط شغف العاني بما بقي من عوالمه الضائعة صنعت خطاً درامياً تصاعدياً غطى على فداحة الخسران بقصص أناس، من مختلف الطوائف، عبروا ذات يوم من أمام المغلاق الشاعري للمصور الكبير الذي لم يصمت بشكل نهائي، فمازال لطيف العاني يصور فيوض الزمن بهاتفه النقال، ويرفض أن تكون صورته الأخيرة، لأن الجمال العراقي مازال موجوداً، ويمكن اكتشافه، لكن الحروب الصغيرة التي أنهكت العراق من بعد تفتيته، مازالت تغير من إمكانات ضبط الوضوح البؤري على الصورة الصحيحة، المشتهاة.

في الزيارة الأخيرة لأهوار العمارة، وسبق له أن صورها بمئات الصور -ضاع معظمها- يلتقط بالكاميرا القديمة التي كانت رفيقة له في أسفاره العراقية، وفي أوذيسته الفوتوغرافية بعض الصور الجديدة لمجموعة من الأطفال هناك. مجموعة لم يحظ بها أنطوني كوين نفسه، كما يردد، ولا يفوته أن يرد على سائله ما إذا كان يجيد التصوير بقوله إنه لا يعرف كيف يضغط زر التصوير.

هل كان العاني بإجابته يودع عوالمه للمرة الأخيرة قبل أن يحظى بالاعتراف العالمي الموعود بالترشح لجائزة لوسيه الأميركية، وبافتتاح معرضه الفوتوغرافي في باريس “أم التصوير الفوتوغرافي”؟ الاعتراف الذي كان ينتظره بفارغ الصبر بعد صمت في غياهب النسيان أكثر من ثلاثة عقود، وبدا أن كل شيء كان مؤجلاً بانتظار رحيله النهائي عن عالمنا في 2021 بعد تشخيص إصابته بسرطان نخاع العظام. الحق أن لطيف العاني لم يكن بحاجة لمثل هذا الاعتراف حتى يصبح عالمياً، فالعالمية هنا لا تعدو كونها إهانة له ولأمثاله، وهو لاشك أكبر منها، وأكبر من قياساتها “الحداثوية” المختَّلة. كان التعب قد نال منه، ونال من روحه على أية حال حين قال إنه يقبل بمجرد الترشح لها. تلك التي لاتُسمَّى: خدعة العالمية!

اترك تعليقاً

Exit mobile version