الأحد, 2 أغسطس 2026

لا تبدأ الأنظمة الشمولية بالدبابات، ولا تُولد الديكتاتوريات فجأة من بين أنقاض المدن. إنها تبدأ غالباً بصمتٍ صغير، يبدو في لحظته غير مؤذٍ، حتى يكبر ويتحوّل إلى عادة جماعية، ففي كل مرة يُستهدف فيها شخص أو جماعة، يقف كثيرون على الرصيف المقابل، مطمئنين لأن الدور لم يصل إليهم بعد. يراقبون المشهد من خلف زجاج الأمان، ويهمسون لأنفسهم: «لحسن الحظ، لست أنا المقصود

لكن التاريخ لا يعترف بهذا النوع من الأمان، فهو يعلّمنا أن الحقوق لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُسحب خيطاً بعد آخر، حتى يجد الجميع أنفسهم عراة أمام السلطة نفسها التي صفقوا لها، أو صمتوا عنها، أو أقنعوا أنفسهم بأنها تستهدف «الآخرين» فقط.

لم أحتجّ

لعلّ أحداً لم يختصر هذه الحقيقة بقوة اللاهوتي الألماني مارتن نيمولر، الذي خرج من الحرب العالمية الثانية، وهو يحمل اعترافاً أخلاقياً سيبقى واحداً من أكثر النصوص تأثيراً في القرن العشرين. لم تكن قصيدته الشهيرة مجرد كلمات بل شهادة رجل أدرك متأخراً أن الصمت لا يحمي أحداً.

في البداية جاؤوا لاعتقال الشيوعيين،

ولم أحتجّ… لأنني لم أكن شيوعياً.

ثم جاؤوا لاعتقال الاشتراكيين الديمقراطيين،

ولم أحتجّ… لأنني لم أكن اشتراكياً ديمقراطياً.

ثم جاؤوا لاعتقال أعضاء النقابات العمالية،

ولم أحتجّ… لأنني لم أكن نقابياً.

ثم جاؤوا لاعتقال اليهود،

ولم أحتجّ… لأنني لم أكن يهودياً.

ثم جاؤوا لاعتقالي أنا…

وعندها، لم يتبقَّ أحدٌ ليحتجَّ من أجلي.

لا تُقرأ كلماته بوصفها قصيدة، بل بوصفها اعترافاً مؤلماً. إنها ليست إدانة للجلاد وحده، بل أيضاً للمتفرجين الذين ظنوا أن حيادهم سيمنحهم النجاة

سنوات الترحيب ببعض شعارات النازيين

لم يكن نيمولر بطلاً منذ البداية. بل على العكس، كان رجل دين محافظاً، ورحَّب في سنواته الأولى ببعض شعارات النظام النازي، معتقداً أنها ستعيد الانضباط إلى ألمانيا المنهكة بعد الحرب العالمية الأولى، لكنه سرعان ما اكتشف أن السلطة التي تبدأ بإقصاء خصومها السياسيين، لا تتوقف عند حدود السياسة، فحين حاول النظام إخضاع الكنيسة لإرادته، أدرك أن النار التي التهمت الآخرين وصلت إلى بابه. انتهى به الأمر معتقلاً في معسكري زاكسنهاوزن وداخاو حتى سقوط الرايخ الثالث عام 1945.

لهذا السبب، لا تُقرأ كلماته بوصفها قصيدة، بل بوصفها اعترافاً مؤلماً. إنها ليست إدانة للجلاد وحده، بل أيضاً للمتفرجين الذين ظنوا أن حيادهم سيمنحهم النجاة.

هذه الفكرة نفسها يعرفها علماء السياسة باسم «المنحدر الزلق»، فالقوانين التي تُقدَّم في البداية باعتبارها استثناءات مؤقتة، سرعان ما تتحوّل إلى قاعدة. وخطابات الكراهية التي تبدأ ضد جماعة صغيرة، لا تلبث أن تبحث عن ضحية جديدة، لأن الإقصاء لا يعرف الاكتفاء.

توسع الدائرة

ولهذا لا يبدأ تآكل الحريات عادةً من الأغلبية، بل من الفئات الأضعف، أو الأقل قدرة على الدفاع عن نفسها. تُفرض القيود أولاً باسم الأمن، ثم باسم حماية الهوية، ثم باسم المصلحة الوطنية، حتى يكتشف الذين اعتقدوا أنهم خارج دائرة الاستهداف أن الدائرة اتسعت لتشملهم أيضاً.

في عالمنا اليوم، حيث تعود الشعبوية إلى الواجهة في أكثر من بلد، تستعيد كلمات نيمولر راهنيتها المقلقة، فكثيرون داخل مجتمعات المهاجرين، على سبيل المثال، يعتقدون أن الحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة يمنحهم حصانة دائمة، فينظر بعضهم إلى أصحاب الإقامات المؤقتة أو طالبي اللجوء باعتبارهم «المشكلة»، لكن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً: الحقوق التي تُنتزع من جارك اليوم، قد تُنتزع منك غداً، عندما تتغيّر موازين السياسة أو اللغة أو الخوف.

إن التضامن ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل هو أيضاً غريزة بقاء، فالحرية لا تُدافع عن نفسها، والحقوق لا تبقى محفوظة لأن القانون كتبها ذات يوم، بل لأنها تجد دائماً من يرفع صوته دفاعاً عنها، حتى عندما لا يكون المستهدف هو نفسه.

بداية العزلة

لهذا تبقى كلمات مارتن نيمولر، بعد أكثر من سبعين عاماً، أقرب إلى وصية للمستقبل منها إلى ذكرى من الماضي. إنها تذكرنا بأن الصمت ليس موقفاً محايداً، بل قراراً يشارك، ولو بصمت، في رسم الطريق نحو الظلم.

وعندما يأتي الدور علينا، قد نكتشف، كما اكتشف نيمولر، أن الصمت الذي ظنناه حماية، لم يكن سوى بداية العزلة، وأن الذين كان يمكن أن يدافعوا عنا… رحلوا قبل أن يحين دورنا.


اترك تعليقاً

Exit mobile version