“رجل الخشب” فيلم روائي طويل بمثابة مغامرة. فأن يمضي المخرج العراقي قتيبة الجنابي، إلى اختيار رجلاً مصنوعاً من الخشب بقامة إنسان عادي، ليكون محور الحكاية في الفيلم إلى جانب مالكة بيت (هانا هيفنر) على الحدود الصربية – المجرية، والجار الحارس له (ميهالي بالكو)، بعد أن تقرر إثر “مكالمات غامضة” أن تعرضه للبيع، فتسلّمه المفتاح، وتمضي في سبيلها.
في الحكاية، على غموضها، ثمة ستار شبكي يسلّم خيوطه بالتدريج. لا يمكن أن يقال إن المغامرة الفيلمية لصاحب “الرحيل عن بغداد”، تعاند المشاهد، لكنها تخلق له طقساً مختلفاً للمشاهدة، فهاهنا تندمج عناصر الفيلم (صوتاً وصورةً ومونتاجاً خلّاقاً ومؤثرات صوتيةً، المونتاج للإنكليزي هيوغ ويليامز، وتصميم الصوت للّبنانية رنا عيد، والأزياء لعائشة الجنابي، والموسيقى لنديم مشلاوي)، كلها في جسم واحد، لكائن خشبي يُراد له أن يحيا بيننا، وأن يمتلك مشاعر مثلنا، وفي وسعه أن يئنّ مثل البشر، ويتقدَّم بخطوات وئيدة إلى الأمام، ويمكنه أن يختبئ عن أعين الناس، ويتوارى في العتمة، منذ أن غادر موطنه (الغابة) لاجئاً . وسط أكوام الثلوج التي تميّز عادةً بلدان اللجوء. هنا حوار مع المخرج العراقي المقيم في المملكة المتحدة حول هذه التجربة الإبداعية المثيرة:
*لماذا اخترت الخشب تحديداً وليس حجراً أودمية؟ هل رجل الخشب هو إنسان فقد صوته؟هل الخشب يرمز إلى الجسد الذي لم يعد يُسمع صوته في العالم؟
**طوال حياتي كنت قريباً من مفاهيم الاغتراب والابتعاد عن المكان الأول، وشديد الالتصاق بفكرة اللاجئين والحالمين بالعودة إلى المكان الأول. في عمر الشباب أنجزت مشروعاً فوتوغرافياً عن المخيمات الفلسطينية في لبنان. وقد كان هذا المشروع بمثابة تجربة إنسانية عميقة غيَّرت حياتي إلى الأبد. منذ تلك الفترة أخذت هذه المفاهيم تشكل موضوعي الدائم فوتوغرافياً وسينمائياً.
بحجم جسم الإنسان الطبيعي
في السنوات الأخيرة بدأت موجات الهجرة عبر البحر ومغامرات الناس مع عوائلهم للوصول إلى بر الأمان. شاهدت الكثير من الأفلام والصور الفوتوغرافية التي توثق هذه المآسي، لكن في لحظة معينة شعرت أنني فقدت قدرتي على الاقتراب من هذه المآسي بالطريقة المباشرة، ربما لكثرة الصور التي شاهدتها عن هؤلاء الشباب والعائلات والأطفال، وهم يعرّضون أنفسهم لمخاطر شديدة بغية النجاة، ولاشيء غير النجاة. لذلك بدأت أفكر بشيء آخر.
من هنا جاءت فكرة أن يكون بطل الفيلم شاباً لاجئاً مصنوعاً من الخشب بحجم جسم الإنسان الطبيعي. اعتبرت هذا تحدياً إبداعياً لتنفيذ الفيلم من منطلق فكرة مختلفة: أن يكون هناك إنسان مصنوع من الخشب، كائن صامت لا يتكلم ولا يتحرّك، لكنه يحمل في داخله وجع الإنسان اللاجئ.
اخترت لهذا “الكائن” أن يظهر في فيلمي بوصفه “جماداً” لأسباب عديدة، منها علاقة الخشب بالطبيعة، إذ قبل أن أبدأ العمل على هذه الشخصية قمت بقراءات معمّقة، وبحثت في علاقة الأشجار بالحياة. قرأت أن للأشجار أرواحاً، وأن هناك بينها نوعٌ من الحوار الخفي. شاهدت أفلاماً وثائقية عن حياة الشجر والغابة، وهكذا بدأت الفكرة تكبر أمامي على الورق، وبشكلٍ متوازٍ في عقلي روحي.
كانت الفكرة مرتبطة أيضاً بتجربتي الشخصية. وأظن أن هذه الثيمة بدأت في داخلي ربما منذ كنت صغيراً في بغداد، بسبب القهر السياسي الذي تعرَّضت له عائلتي. كنت دائماً أشعر بنوع من الغربة داخل المكان نفسه، وهذا ربما أصعب أنواع الاغتراب: أن يشعر الإنسان بالغربة داخل وطنه.
حياة سابقة في المخيمات الفلسطينية
هذا الشعور ليس شعوراً ذاتياً فقط، بل شعور تعيشه شعوب كثيرة في ظل أنظمة قهرية غير عادلة. قد يكون هذا القهر سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً. أنا غادرت بغداد مجبراً بسبب تلك الظروف، ومنذ تلك اللحظة بدأ إحساس المنفى يتعمَّق داخلي ويأخذ شكلاً فنياً واضحاً.
هذا الإحساس تعمّق أكثر فأكثر عندما عشت في المخيمات الفلسطينية في لبنان في بداية الثمانينيات. كنت هناك مع كاميرتي أوثّق وأعيش واحدة من أصدق التجارب الإنسانية التي رأيتها في حياتي. عشت في بيوت الناس، وكان مساعدة الشباب لي كبيرة كي أنجز عملي. لقد رأيت في عيونهم حلم العودة إلى المكان الأول، إلى الوطن، وأحسست بروح التفاعل الإنساني والجمالي بينهم برغم كل الظروف الصعبة.
كانت تجربة تمنيت أن لا تنتهي، لكن الظروف أجبرتني على المغادرة. مع ذلك بقيت هذه التجربة حاضرة في داخلي، واستمر إحساس المنفى واللاجئ يرافقني حتى اليوم. منذ تلك اللحظة لم يتغيّر موضوعي الفني، وواصلت العمل فوتوغرافياً وسينمائياً حول مفهوم المنفى والغربة.
ذهبت بعد ذلك إلى مناطق عديدة: كوسوفو، ألبانيا، كردستان ومناطق أخرى. عشت مع اللاجئين في أوروبا الشرقية وفي بريطانيا. كل هذا أنجزته بدافع ذاتي، وليس من خلال العمل مع مؤسسات، إيماناً مني بأهمية مفهوم المنفى لأنه جزء من حياتي.
صوري عن المخيمات الفلسطينية عُرضت في ذلك الزمن في مدينة بودابست ومدن مجرية أخرى، وكذلك في مدن أوروبية عديدة، وكانت معروضة لفترة طويلة في متحف في لندن. ومع مرور السنوات بقيت أصور اللاجئين والمنفيين، وكانت الكاميرا تعكس أحاسيسهم وعيونهم. لكن مع تزايد صور المآسي في الأخبار لم أعد قادراً على تصويرهم بالطريقة المباشرة. لذلك فكرت أن أبحث عن طريقة رمزية مختلفة. ومن هنا جاءت فكرة رجل الخشب، الذي أصبح بالنسبة لي رمزاً لكل اللاجئين والمنفيين في العالم.
الحدود الصربية – المجرية
كنت أريد من خلال هذه الشخصية أن أرى العالم من زاوية مختلفة: كيف يرى الإنسان اللاجئ العالم من حوله؟ ما هي أحاسيسه عندما يكون وحيداً؟ كيف يتصرّف عندما يكون في منتصف الطريق، أو عندما يواجه لحظات الخطر؟ هكذا تجمَّعت في داخلي هذه الأفكار وهذه التجارب، ومن خلالها وُلدت شخصية رجل الخشب.
*صوّرت الفيلم بالكامل على الحدود الصربية– المجرية، لكنك صرحت في وقت سابق بأن الحكاية يمكن أن تقع في أي مكان. كيف استطعت تجريد المكان من هويته الجغرافية ليصبح”أي بيت في هذا العالم الفسيح”؟
**لم تكن الفكرة صعبة جداً، لأنني صوَّرت الفيلم بالفعل قريباً من الحدود الصربية-المجرية، حيث كانت هذه البقعة تمثل حدود أوروبا في تلك الفترة، وكان هناك جدار يفصل بين البلدين بسبب موجات اللاجئين. المكان الذي صوَّرت فيه كان يبعد تقريباً كيلومتراً واحداً عن هذه الحدود.
كان هناك تأثير واضح على المناخ العام في المكان الذي كنَّا نصور فيه. أجواء المكان كانت توحي بالتوتر والمراقبة الأمنية، وهذا أمر نراه في كثير من القرى والمدن الحدودية في العالم. كنت أسمع أحياناً أبواق سيارات الشرطة في الطرق القريبة، وكذلك طائرات الهليكوبتر التي تبحث عن المهاجرين أو القادمين إلى أوروبا.
يمكن القول إنه كان لدي حلم قديم بأن أصوّر فيلماً تكون مشاهده الخارجية كلها تقريباً تحت الثلج الأبيض. واستطعت أن أحقق هذا الحلم، حيث إن معظم المشاهد الخارجية في الفيلم يسيطر عليها الثلج.
الثلج له خصوصية بصرية وشعورية. فهو يجرد المكان من تفاصيله الجغرافية، ويخلق إحساساً مختلفاً، بارداً وأحياناً غير مألوف. لذلك ساعدني الثلج على تجريد المكان من هويته، وكأن ما يدور أمامنا يمكن أن يحدث في أي بلد (بارد) في العالم.
لم تكن المهمة سهلة، لأنني كنت أحياناً أنتظر هطول الثلج حتى أبدأ التصوير. لكن كل هذا البرد، وكل هذه الظروف خلقت إحساساً خاصاً بالفيلم. حتى المشاهد الداخلية تأثرت بهذا المناخ العام من الترقّب والقلق.
بهذه الطريقة أصبح المكان في الفيلم أقل ارتباطاً بجغرافيا محددة، وأكثر قرباً من فكرة أن القصة يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم.
البياض المعاند
*تظهر “صورة الثلج” كأول ذكرى يخزنها اللاجئ في ذاكرته داخل الفيلم، لماذا اخترت هذا “البياض المعاند” ليكون رمزاً للاغتراب بدلاً من الدفء الذي يصبو إليه المهاجر؟ هل الثلج في الفيلم ذاكرة شخصية أم صورة للبرودة الإنسانية في العالم؟
**نعم، الثلج في الفيلم هو رمز للاغتراب. إنه يعكس الزمن الثقيل والإحساس بالوحشة. انطلقت في هذا الاختيار من تجربتي الذاتية عندما وصلت إلى المنفى في بودابست. أتذكر أن كل شيء من حولي كان أبيضَ وبارداً جداً، ولم أكن معتاداً على هذا البرد القاسي. كنت شاباً صغيراً ووحيداً، وبكيت من شدة البرد والغربة.
حاولت أن أعكس هذا الشعور الشخصي في الشكل العام للفيلم. لو كنت قد صوَّرت الفيلم في فصل الصيف لا أعتقد أن الفعل الدرامي كان سيتحد بصرياً مع الشكل الفني للفيلم بالطريقة نفسها.
الثلج في الفيلم لم يكن مجرد عنصر جمالي أو ترف إنتاجي، بل كان يحمل بعداً فلسفياً وروحياً. عندما تبرد الطبيعة والحياة تنغلق الأجساد، ويحاول كل جسد أن يحافظ على دفئه الداخلي.
لا أعتقد أن هناك قسوة تضاهي البرد الحقيقي. ولهذا يكون قلبي دائماً مع اللاجئين الذين يعيشون في المخيمات، في خيام مصنوعة من الأقمشة. مآسي الشعوب واللاجئين تصبح أكثر قسوة عندما يهطل الثلج أو المطر. لذلك أصبح الثلج في الفيلم صورة مزدوجة: ذاكرة شخصية من المنفى، وفي الوقت نفسه صورة للبرودة الإنسانية التي يعيشها اللاجئ في هذا العالم.
رحلة أحاسيس بدأت من بغداد
*هل ترى أن تحوّل اللاجئ إلى “جماد” هو وسيلة دفاعية نفسية للبقاء أمام قسوة القوانين والشرطة والمطاردة في بلاد تحوّل جسده إلى حدود مجهزة بكل أدوات التعقب؟
**سؤالك جميل ومثير، وفيه توصيف دقيق لحالة اللاجئ. هناك أشياء كثيرة تجمّعت لتكوين هذه الشخصية. كل الاستفسارات التي ذكرتها مررت عليها سينمائياً في الفيلم.
بعض هذه الأحاسيس حاولت التعبير عنها بالصورة، وبعضها بالصوت، وأحياناً بالتعابير البصرية والمؤثرات الصوتية. لذلك أصبحت الرحلة في الفيلم رحلة أحاسيس متداخلة تتفاعل مع حالة الجماد التي يمثلها رجل الخشب.
هذه الحالة ليست مجرد شكل بصري، بل هي حالة رمزية تعكس تجربة اللاجئ في مواجهة القوانين والحدود والخوف. ومن خلال هذه الحالة الرمزية تشكّلت بنية الفيلم كلها تقريباً، والتي تمتد لحوالي 80 دقيقة.
*في الفيلم، هناك تماهٍ غريبٍ بين أصابع البشر وسلاميات “رجل الخشب“. ما هي الرسالة التي أردت إيصالها من خلال تطابق الأصابع بين الحارس وبين الكائن الخشبي؟ لماذا كانت اليد دائماً عنصراً مهماً؟ وهل اليد هي آخر ما يبقى إنسانياً عندما يصبح العالم بهذه القسوة واللؤم؟
**اليد جزءٌ مهمٌ في التكوين البشري. في تصويري الفوتوغرافي والسينمائي أحب دائماً أن تكون اليد جزءاً أساسياً من التكوين الفني للصورة. اليد التي نصافح بها، ونكتب بها، ونأكل بها، ونحيّي الآخرين، تعكس حرارة الروح البشرية.
في العمل الفني تعكس اليد الكثير من المعاني التشكيلية والإنسانية. فهي تساعد في خلق تكوين بصري مفتوح أو مغلق داخل الصورة. أحياناً يمكن لليد أن تقول الكثير، سواء كانت مفتوحة أو مغلقة أو مختفية.
تأثر بالواقعية السحرية
اليد أيضاً تعكس القيمة الدرامية في العمل الإبداعي، وفي الحياة. فهي تعبّر عن الوداع، والسلام، والمحبّة، والاستقبال، والغضب، وغيرها من الأحاسيس الإنسانية. عندما يلتقي شخصان، أول ما يفعلانه هو مدّ اليد للمصافحة. اليد تحمل حرارة الجسد ودفء الروح بين شخصين، وهذه الطاقة تقرّب الناس من بعضهم البعض، وتعطي معنى للثقة والاستمرارية. لهذا استعملت مفهوم اليد في فيلم رجل الخشب. اليد هي التي تفتح الباب وتغلقه. اليد هي التي تكتب وتصافح. اليد هي التي تحمل الطفل وتقدّم العون للمحتاج.
أما مشهد تقارب أيادي رجل الخشب مع الحارس من خلف شباك الغرفة، فهو مشهد قريب جداً إلى قلبي. اليدان كانتا قريبتين من المصافحة، وكأن في الأمر اعترافاً خفياً بالصداقة والأمان المشترك بين كائنين مختلفين. أتذكّر أنني عندما كنت أصوّر هذا المشهد كنت أبكي خلف الكاميرا. رمزية اليد كانت حاضرة بقوة في هذا الفيلم لأنها تمثّل آخر ما يبقى إنسانياً عندما يصبح العالم قاسياً.
*اعتمدت في الفيلم إيقاعاً تشويقياً لاهثاً وإضاءة سريالية. كيف ساعدك تخصصك كمدير تصوير متمرّس في محو الفارق بين ما هو واقعي وما هو فانتازي في هذه الحكاية؟
**كنت ولا أزال متأثراً بشدة بمفهوم الواقعية السحرية. الفكرة نفسها ساعدتني على ذلك، لأننا أمام رجل خشبي بحجم الإنسان الطبيعي، هارب بسبب القمع من الغابة، وينتهي به الأمر إلى الدخول إلى بيت يتحول تدريجياً إلى سجن له. هذه بحد ذاتها حكاية غريبة وسريالية، ولهذا كان عليَّ أن أخلق شكلاً بصرياً يجعل المشاهد يصدق هذه الحالة، من دون أن يفقد إحساسه بالواقع.
بطلي ليس مجرد قطعة خشب
هنا جاءت أهمية الكاميرا، والإضاءة، والعدسات. كل هذه العناصر كانت أمامي كأدوات أساسية لخلق هذا الإحساس التفاعلي بين ما هو واقعي وما هو فانتازي. كنت أريد أن تبدو الحكاية وكأنها ممكنة، رغم غرابتها، وأن يشعر المتلقي أن هذا الكائن الخشبي يعيش في عالم حقيقي، لكنه في الوقت نفسه محاطٌ بجو من الغرابة والقلق والسريالية.
مع الأيام بدأت علاقتي مع رجل الخشب تتطوَّر أثناء التصوير، وتحوَّل بالنسبة لي إلى صديق وجزء من العائلة. هذا الإحساس الداخلي والدفء في العلاقة شجعني أن أتعامل معه أثناء التصوير، وكأنه ليس مجرد قطعة خشب، بل كائنٌ حيٌّ له وجوده ومشاعره وصمته الخاص.
أعتقد أن هذه العلاقة الحميمة مع الشخصية كان لها أثر مباشر على شكل الفيلم. ربما لو كان هناك مدير تصوير آخر معي لما تولَّدت هذه العلاقة بالطريقة نفسها، ولربما أخذ الفيلم شكلاً مختلفاً، ولكن لأنني كنت أنا المسؤول عن الصورة وعن إدارة الإحساس البصري، استطعت أن أقترب أكثر من هذه الشخصية، وأن أمحو قليلاً الفارق بين الواقع والفانتازيا.
*تظهر في الفيلم أصوات مفزعة لسيارات الشرطة والمروحيات كأداة مطاردة نفسية. هل كنت تقصد تصوير “الدولة” ككيان غير مرئي يراقب ويحذر السكان من إيواء الغرباء؟
**نعم، هذا الأمر في صلب الفعل الدرامي والتشويقي للفيلم. كنت دائماً أريد أن أصنع الخوف الحقيقي، لا الخوف المصطنع. هذه الأصوات، سواء كانت أصوات سيارات الشرطة أو المروحيات، ليست مجرد مؤثرات صوتية، بل جزء من الجو النفسي الذي يعيشه اللاجئ في حالة المطاردة.
كل هذه الأصوات والأفعال كنت قد شاهدتها وأحسست بها في الواقع، ولهذا كانت حاضرة داخلي عندما صنعت الفيلم. هناك دائماً خوف من الآخر، وخوف من الغريب، وخوف من الكائن الذي يأتي من خارج النظام المألوف.
في الفيلم، الدولة لا تظهر بشكل مباشر دائماً، لكنها موجودة كقوة غير مرئية، تراقب وتضغط وتطارد. وهذا الإحساس بالنسبة لي كان مهمّاً جداً، لأن اللاجئ لا يعيش فقط أمام الجدران والأسلاك، بل أيضاً تحت ضغط نفسي دائم، كأن عيناً خفية لاتكفّ عن ملاحقته وتحذّر منه.
عناد سينماتوغرافي
*تعاني دائماً في مسألة تمويل أفلامك بسبب عنادك السينماتوغرافي. كيف أثّر هذا الاستقلال الإنتاجي على حرية التجريب؟ ولماذا تفضّل أحياناً العمل وحدك؟ وهل الحرية أهم عندك من الميزانية؟
**هذا الأسلوب في الإنتاج المستقل أعطاني خبرة وحرية إبداعية عظيمة وممتعة. نعم، حرية التعبير والتجريب شيء رائع وقريب للروح. هناك صعوبة دائماً في التمويل، لكنني مع مرور الوقت صرت أحب هذا الخيار، لأنني أشعر أن الأعمال الأقرب إلى روحي هي تلك التي أنجزتها، وأنا أسيطر على تفاصيلها الإبداعية.
في رحلتي الفنية والإبداعية، عندما أراجع ما أنجزته، وما مررت به، أجد أن أفضل ما قمت بإنتاجه، هو ما كنت مسيطراً عليه بالكامل من الناحية الإبداعية. مع الأسف، هذا هو اختياري. لا أحب أن أخضع للشروط الإنتاجية القاسية، ودخلت في مشاريع مع جهات داعمة ومنتجين، لكن خيبة الأمل كانت دائماً حاضرة في داخلي. مع ذلك، فإن الأفلام التي أنجزتها بهذه الطريقة المستقلة لا تزال بالنسبة لي أقرب إلى روحي، وأكثر انتشاراً وتوزيعاً من بعض الأعمال التي أنجزت مع آخرين.
من الأفلام التي أعتزُّ بها طوال حياتي فيلمي القصير «القطار» الذي أخرجته وأنتجته قبل أكثر من أربعين عاماً، وما زال يُعرض في مناسبات مختلفة حتى اليوم. وكذلك فيلمي «حياة ساكنة» و«عرض الحياد»، إضافة إلى مجموعة من الأفلام التسجيلية التي أفتخر بها.
أما في الأفلام الروائية فقد أنجزت «الرحيل من بغداد» ثم «قصص العابرين»، وبعدها أتى فيلم «رجل الخشب». ولا أزال أعمل حتى الآن، والفيلم الأقرب إلى روحي في هذه المرحلة، والموجود الآن في غرفة المونتاج، هو فيلم «عندما يشتد البرد». هذه تجربة ذاتية وخاصة جداً حول ماهية الوطن، والمنفى، والعودة، والبحث عن الوطن البديل. وهي تجربة لها خصوصية شديدة في حياتي لأنها تمزج بين حلمي في الواقعية السحرية، وبين الواقعة الجديدة.
استقلالية الإنتاج تعطيني حرية مذهلة لأن أسيطر على العمل وأحافظ على قيمته الإبداعية دون أن أتعرَّض لتسويات أو تنازلات إنتاجية تمس ما في داخلي. هناك أشياء بالنسبة لي حادَّة كحدّ السيف، لا أستطيع أن أتنازل عنها. أنا لا أريد أن أعمل أفلاماً هوليوودية، بل أريد أن أنجز أفلاماً تنبع من روحي. ومع مرور الأيام والسنين أصبحت لديَّ مجموعة من هذه الأفلام، وهذه المجموعة أصبحت الآن تشكل طريقتي الخاصة في إنجاز الفيلم.
وبما يتعلق بفيلم «رجل الخشب» تحديداً، كان من المستحيل تقريباً أن أقنع منتجاً بأن يتفاعل مع بطل فيلم مصنوع من الخشب، لا يتحرَّك ولا يتكلَّم. ولهذا قررت أن أدخل هذه المغامرة وحدي.
عودة الرجل الخشب
*ينتهي الفيلم برصاصة غامضة في رأس “رجل الخشب” ونزفه للدماء. هل أردت بهذه النهاية “أنسنة” الخشب في لحظته الأخيرة، أم أنها إشارة لاستحالة العودة الآمنة للاجئ؟
**كنت أريد نهاية رمزية. نعم، رجل الخشب يُقتل جسدياً في لحظات الهروب، لكن بالنسبة لي لم تكن المسألة مجرَّد موت جسد، بل كان هناك شيء آخر أردت أن يبقى في الصورة.
الكاميرا تغادر الجسد، وتواصل المشي على الثلج الكثيف. كنت أريد لهذا المشهد أن يرمز إلى الروح، إلى ذلك الجزء الذي لا يموت بسهولة، والذي يظل مشدوداً إلى مكانه الأول. في حالة رجل الخشب، كانت الغابة مكانه الأول.
لهذا يمكن أن تُقرأ النهاية بطريقتين: من جهة، هناك عنف واضح، وقتل، وانقطاع في الجسد، ومن جهة أخرى هناك إحساس بأن الروح لا تزال تريد أن تعود، وأن الحلم بالمكان الأول لا ينتهي حتى بعد الموت.
أنا لم أرد نهاية واقعية ومباشرة فقط، بل نهايةٌ تفتح باب التأويل. ولذلك جاءت النهاية بهذا الشكل: جسد يسقط، وكاميرا تبتعد، وثلج كثيف، وروح تريد أن ترجع إلى بدايتها الأولى.
*هل يمكن أن يعود رجل الخشب؟
يراودني شعور شديد بأن أقترب مرَّة أخرى من شخصية رجل الخشب، وأن أعمل «رجلالخشب2». ما زلت أحس أن رجل الخشب يريد أن يقول أكثر مما قاله في الفيلم الأول، وأن العالم الذي يحيط به الآن يتغيّر، وبالتالي يمكن لهذه الشخصية أن تتحرَّك في سياق جديد، وتكشف أشياء جديدة.
أفكر أن أنقل رجل الخشب من أوروبا الشرقية إلى إحدى مدن أوروبا الغربية، ربما برلين أو باريس أو لندن، لكي نرى كيف يكون هناك، وكيف تصبح أحاسيسه في مكان مختلف، وهل تساعده أوروبا فعلاً على العودة الطيبة إلى مكانه الأول، إلى الغابة، أم أن المنفى سيبقى منفى مهما تغيّر شكله.
بالتأكيد سأحاول أن أكتب لهذا المشروع معالجة تتلاءم مع المناخ الحالي، لأن العالم يتغيّر بالفعل، وأسئلة اللجوء والاغتراب أيضاً تتغيّر معه، لكنها لم تختفِ. كذلك أفكر أن أمنح رجل الخشب في هذا الجزء شيئاً من الحركة، وربما شيئاً من القدرة على الكلام، أو على الأقل نوعاً من التطور في التعبير، وكأن هذه الشخصية نفسها بدأت تكتسب خبرة جديدة في الحياة والمنفى.
أفكار كثيرة موجودة في رأسي. كنت أعتقد أن موضوع المنفى واللجوء قد يقترب من نهايته، لكنني أحس بالعكس تماماً. لا يزال هذا السؤال مطروحاً، وسيبقى سؤالاً أبدياً ما دامت هناك توترات سياسية، وعنف، وقهر، وتشريد في العالم.
لا أعرف بعد أين ستدور الأحداث بالتحديد، لكن لدي إحساسٌ قويٌ أن رجل الخشب يجب أن ينطلق من جديد إلى الحياة مرة أخرى.
وفي الوقت نفسه، أعمل الآن على فيلمي الجديد «عندما يشتد البرد»، وهو فيلم شخصي جداً يعتمد على الذاكرة، والصور، والصوت الداخلي، ويجمع بين الأرشيف الفوتوغرافي والتجربة السينمائية. بالنسبة لي هذا الفيلم امتداد لأسئلة قديمة عن المنفى، والهوية، والزمن، لكن بطريقة مختلفة وأكثر تأملاً. وربما لهذا أشعر أن الأفلام لا تنتهي تماماً، فهي تبقى معنا، وتفتح دائماً أبواباً جديدة لأفلام أخرى قادمة.
