يبدو فيلم “عن إيلي” للمخرج الإيراني أصغر فرهادي واحداً من تلك الأفلام النادرة التي لا تكتفي بأن تُشاهَد، بل تظل عالقة في ذهن المتلقي لساعات طويلة بعد انتهاء العرض. ومنذ ظهوره في مهرجان برلين السينمائي، حيث حصد فرهادي جائزة أفضل مخرج، بدا واضحاً أن السينما الإيرانية كانت تقدم عملاً استثنائياً جديداً يُضاف إلى سجلها الحافل، قبل أن يواصل الفيلم رحلته الدولية محققاً جوائز أخرى بينها أفضل فيلم في مهرجان ترايبيكا الدولي وعدد من الجوائز الآسيوية المهمة.
كان الترقب الذي سبق عرض الفيلم لافتاً، سواء بين النقاد أو جمهور المهرجانات. وعندما عُرض في قاعة الصحافة في برلين، بقي كثيرون حتى ساعات الليل المتأخرة، وخرجوا في النهاية بذلك الشعور النادر الذي تمنحه السينما الكبيرة: الرضا الكامل. كان الفيلم قادراً على إبقاء المشاهد مشدوداً إلى الشاشة حتى اللحظة الأخيرة، وبقوة تأثير جعلت التفكير فيه يستمر طويلاً بعد انتهاء العرض.
ورغم أن الفيلم لا يقدّم نفسه بوصفه عملاً واقعياً خالصاً، إلا أنه يمتلك واحدة من أكثر درجات الواقعية إقناعاً في السينما المعاصرة، واقعية لا تقوم على الادعاء، بل على التقاط لحظات الحياة العادية بأقصى درجات الصدق. ويمكن القول إن أصغر فرهادي، منذ تلك اللحظة، رسّخ مكانته بوصفه أحد أهم المخرجين في جيله، ليس في إيران فحسب، بل في السينما العالمية المعاصرة.
بعد فيلمه اللافت (الأربعاء الناري)، جاء “عن إيلي” ليؤكد أن نجاح فرهادي لم يكن مصادفة، بل نتيجة موهبة استثنائية في الإخراج وكتابة السيناريو معاً. صحيح أن بعض المتابعين قد يلمحون تقاطعاً بعيداً مع فيلم “المغامرة” لأنطونيوني، إلا أن هذا التشابه لا يتجاوز الانطباع الأولي، لأن فرهادي ينجح سريعاً في بناء عالمه الخاص، بلغة سينمائية مستقلة تماماً.
نجح فريق التمثيل في منح الشخصيات مصداقية عالية، حتى يشعر المشاهد وكأنه يتابع أحداثاً حقيقية لا تمثيلاً سينمائياً.
ما يجعل “عن إيلي” عملاً عالمياً هو قدرته على الانطلاق من بيئة إيرانية خالصة — ثقافةً وتفاصيلَ وحياةً يومية — ليصل إلى أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية. الفيلم يتناول فكرة الأحكام التي يصدرها البشر تجاه بعضهم البعض، وكيف يمكن لإشارة صغيرة أو معلومة ناقصة أن تقلب نظرتنا بالكامل إلى الآخرين.
من خلال مجموعة من الشخصيات المنتمية إلى الطبقة الوسطى الإيرانية، يضع فرهادي أبطاله داخل ظرف درامي ضاغط يكشف تدريجياً هشاشة العلاقات الإنسانية وتعقيداتها. هنا لا يقدم المخرج إجابات جاهزة، ولا يتحوَّل إلى واعظ أخلاقي، بل يترك المشاهد نفسه داخل مساحة الشك والتأويل، فيصبح جزءاً من عملية الحكم ذاتها.
وبخلاف أسماء بارزة في السينما الإيرانية مثل عباس كيارستمي أو جعفر بناهي أو محسن مخملباف، يبدو فرهادي أقرب إلى سينما تتوجه مباشرة نحو الجمهور، دون التخلي عن قيمتها الفنية العالية. هو يقترب — إلى حد ما — من منهج مجيد مجيدي، مع اعتماد واضح على بناء سردي كلاسيكي متماسك: حبكة دقيقة، حوار محسوب، تصاعد درامي متقن، وقصة بسيطة ظاهرياً لكنها مشحونة عاطفياً وفكرياً، وقد نجح فريق التمثيل في منح الشخصيات مصداقية عالية، حتى يشعر المشاهد وكأنه يتابع أحداثاً حقيقية لا تمثيلاً سينمائياً. كما لعبت حركة الكاميرا الدقيقة والشفافة دوراً مهماً في ملاحقة التحوّلات النفسية للشخصيات، ورفع التوتر تدريجياً مع تصاعد العقدة الدرامية.
لكن ربما تكمن عبقرية الفيلم الحقيقية في التفاصيل. فرهادي يزرع تفاصيل صغيرة بعناية شديدة في كل جزء من العمل، تفاصيل تبدو عابرة في البداية لكنها تعود لاحقاً لتصبح عناصر أساسية في التأثير النهائي للفيلم. لا شيء هنا زائد عن الحاجة، ولا تفصيل بلا وظيفة. كل عنصر محسوب بدقة لافتة تكشف عن مخرج يعرف تماماً ماذا يفعل.
قوة سينما فرهادي تكمن كذلك في بساطة تصويره للمواقف الإنسانية. طوال الفيلم تمارس الشخصيات عملية إصدار الأحكام على إيلي وعلى بعضها البعض، لكن المخرج نفسه يرفض أن يصدر حكماً نهائياً. إنه يترك للمشاهد حرية التفكير، ويدفعه إلى الانغماس الكامل في التجربة، بحيث يتحوَّل هو نفسه إلى طرف داخل اللعبة الأخلاقية التي يبنيها الفيلم.
ورغم أن جوهر الفيلم يقوم على فكرة مركزية واحدة: الغموض المحيط بمصير إيلي، فإن هذه الفكرة وحدها لا تختصر سر جاذبيته. على العكس، فالفيلم يمتلك قدرة نادرة على الاحتفاظ بقيمته حتى بعد مشاهدته أكثر من مرة، بل ربما يصبح أكثر عمقاً وإثارة في كل مشاهدة جديدة.
اليوم، وبعد مرور سنوات على إنتاجه، ما يزال “عن إيلي” واحداً من أهم نماذج السينما الإيرانية الحديثة، وفيلماً يثبت أن أصغر فرهادي لم يكن مجرد موهبة عابرة، بل صانع سينما عالمي يعرف كيف يحوّل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى أسئلة إنسانية كبرى، وكيف يصنع من البساطة عملاً خالداً.

