هنا حوار مع بترونيللا زيترلوند منسقة مشروع آداب الشمال في الدول الاسكندينافية الخمس. الحوار لا يكتفي بتقديم زيترلوند بوصفها مسؤولة عن مشروع ثقافي طموح ومتشابك مع آداب دول الشمال الخمس، بل يكشف عن ذائقة ثقافية رفيعة في تعاطيها مع شؤون التأليف والترجمة عند الكتّاب الوافدين من سياقات ثقافية وأدبية مختلفة، هذا إن أخذنا بعين الاعتبار طبيعة وخصوصية الدول التي عاشوا وعملوا فيها.
درست بيترونيللا زيترلوند في جامعة لوند (جنوب السويد)، إحدى أعرق الجامعات في شمالي أوروبا، وواحدة من أكبر المؤسسات البحثية العلمية في دول الشمال، وصُنفت مرات عدة ضمن أفضل 100 جامعة على مستوى العالم. زيترلوند عملت فيها قبل أن تتولى مسؤوليات أدبية وثقافية مستقلة.
ماهي طبيعة عمل NolitchX ؟
NolitchX (آداب الشمال في التغيير والتبادل)، هو مشروع أدب الشمال الذي يطمح إلى بلورة صورة واضحة عن الكتّاب والمؤلفين الذين يكتبون بأي من لغات المهاجرين في بلدان الشمال الأوروبي، أيّْ اللغات الرئيسية المختلفة، أو لغات الأقليات المعترف بها. NolitchX ينظم أيضاً قراءات في الدول الاسكندينافية الخمس مع ترجمات للّغات الأساسية، ويقوم بنشرها في موقعه الالكتروني على الشبكة العنكبوتية، كما أنه ينظم اللقاءات الأدبية من أجل الترويج لأعمال الكتّاب والإسهام في تأمين عمل لهم في نفس الوقت.
ماهي طبيعة عملك في NolitchX ؟
في NolitchX أنا بترونيللا زيترلوند أعمل منسقة في مشروع أدب الشمال ومسؤولة عن شبكة الكتَّاب، المترجمين، المحررين، ومنشطي الفعاليات الثقافية التي يدأب NolitchX على توسيعها وتطويرها باستمرار. كذلك، أنا المسؤولة بشكل شخصي عن إدارة الموارد التي يحصل عليها NolitchX، أي أنني أدير اقتصاد المشروع برمته.
جان بول سارتر يقول إن كلمتَّي (ترجمة وخيانة) تأتيان من جذرٍ واحدٍ في اللغة الفرنسية. أليست ترجمة الشعر على وجه الخصوص نوعاً من الخيانة للنص؟
هناك كثرُ يعتقدون أن خيانة النص (وخاصة منذ بضع سنوات) أو حتى تفريغه من محتواه هو الأمر الأكثر أهمية في الترجمة. شخصياً أنا لدي مقاربة أكثر براغماتية في سياق عمليات الهجرة الحاصلة في دول الشمال حيث الكتَّاب من مختلف اللغات والثقافات والأعراق يتحركون وفق أسباب مختلفة بهم. إن لم يقم أحد بترجمة نتاجات هؤلاء الكتّاب، فإن أحداً بالمقابل لن يتمكن من قراءة ما يكتبون في أماكن تواجدهم. هذا لا يعني أن الترجمة يمكن أن يقوم بها كل من يشاء. ترجمة الأدب تتطلب معارف عميقة ورغبات وتجارب غنية والكثير من البراعة والحذق، ولكنني لا أعتقد أنه يجب التركيز على ما يمكن أن يُفقَد أثناء الترجمة دون أن نركز على ما هو مثير للاهتمام فيها وتمَّ تحقيقه من خلالها. على سبيل المثال: مطالعة الكتَّاب الجدد، التبادل المعرفي والثقافي، وكل التأثيرات الأدبية الممكنة الناتجة عنه، وتلاقح الثقافات الخ.
هل تتعامل المؤسسة مع الأسماء الشعرية والأدبية الكبيرة على مستوى العالم مثل مؤسسة الشعر في أميركا التي تمتلك رصيداً كبيراً في دعوة الأسماء المهمة؟
NolitchX مشروع أدبي في الشمال، ونحن نستخدم مواردنا لنقدم الكتّاب الذين يعيشون في الدول الاسكندينافية ويكتبون بلغاتهم، والانجليزية واحدة منها، وإذا كان واحداً من مؤلفي شبكتنا في مؤسسة “شعر”، فمن الواضح إننا سنبحث عنه بهدف تقديمه، لكننا لا نسعى لدعوة أسماء من خارج هذا النطاق، لأن هذا يتجاوز أنشطة NolitchX، كونها مؤسسة تعنى بمشاريع دول الشمال.
ألم تتغيّر وظيفة الشعر في عالم السوشيل ميديا؟
لا أعرف إن كان يجب أن يُقال عن الشعر إنه “وظيفة”، لكن من المؤكد أن النشر عبر وسائل الاتصالات الرقمية قد تغيَّر. انطباعي الشخصي أن المزيد من الشعر، ومهما كان مصدره، فإن الناس سيبحثون عنه، سواء نشر ووزع عبر مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا، أو عبر مواقع النشر الالكتروني المستقلة في جميع أنحاء العالم أم لا، فإنه ينبغي أن نلاحظ هنا أن جمهور القرَّاء في زيادة، وربما هذا يحدث على نطاق ضيق ولأسماء محددة بعينها إن جرى الحديث عن نشر وتوزيع هذه النتاجات، ولكن يبدو لي أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن علاقة عكسية دلالية للتطور في حالة الشعراء (الناشر التقليدي)، ومن المؤكد أنه سيغدو في غاية التعقيد تناول الشعر بوصفه مفهوماً متجانساً أو محلياً.
ماهي المعايير النقدية والأدبية التي يتم من خلالها دعوة الأدباء والشعراء للتعاون مع مؤسستكم؟
NolitchX لا يحاول استخدام معايير “الجودة” و “القيمة” هنا. لأن عديد من يعمل في تنظيم هذا المشروع محدود، وتقريباً نحن نتعامل مع معظم الآداب العالمية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يمكننا الحكم على النصوص المكتوبة بلغات مختلفة وتجيء من تقاليد أدبية وسياقات ثقافية أخرى.
نحن نقوم بدعوة الكتَّاب الشباب والترويج لأعمالهم، لأننا تعلَّمنا من تجاربنا أن هذه المجموعات الفتية تعاني من صعوبات بالغة في الاتصال بالمؤسسات التي يمكن أن تساندهم في العثور على فرص تسهم في تطورهم ككتَّاب أو كقرَّاء.
ألا يمكن للمؤسسات أن تفرض نوعاً من التنميط على الشعر الذي سيقال أو يكتب لأمسيات محددة؟
مشروع أدبي مثل NolitchX لديه ميزانية، ويدفع تعويضات عن الأنشطة والفعاليات الأدبية يملك القدرة على تقرير من سيكون على المنصة بالتالي. لم يطلب NolitchX عبر تاريخه من أي شخص كتابة نصوص جديدة بغية قراءتها عندنا، وربما لن يقوم NolitchX بذلك مستقبلاً، ولكننا نمتلك موضوعات مفتوحة للقراءة، وقمنا بدعوة كتّاب للكتابة عنها. على سبيل المثال في أرهوس / الدنمرك كنَّا في مرَّة من المرَّات على موعد مع ثيمة بعنوان:”الفضاء – داخلي”.

تختارون التعامل مع قراءات شعرية بلغات متعددة؟ هل يمكن للشعر أن يذهب نحو وظائف لغوية مختلفة عن جوهره؟
إن كنت قد فهمت السؤال جيداً، فإننا في NolitchX نظَّمنا قراءات بلغات متعددة. المؤلفون الذي يكتبون بلغات مختلفة كانوا على المنصة في وقت الفعالية، وقمنا بترجمة كتاباتهم إلى بعض اللغات الاسكندينافية. نريد لNolitchX أن يصبح جسراً بين الأدب المكتوب بلغات المهاجرين وآداب دول الشمال. لطالما دأب NolitchX على تنظيم سلسلة من الفعاليات التي يقوم فيها كل كاتب على حدة بقراءة نصوصه برفقة موسيقي أو صوت فنان للتأكيد على سلامة الحس الأدبي، وبأن اللغة ليست وحدها المهيمنة هنا. بهذه الطريقة كنَّا نريد المواءمة بين مختلف الأصوات، بالرغم من أن الجمهور لا يفهم دلالات كل ما يُقرأ أمامه على الخشبة. بالإضافة إلى ذلك كنَّا نحرص أن تتم ترجمة الجوانب الدلالية في الأدب أيضاً حتى يتمكن الجمهور من فهم هذه الأبعاد تماماً. وأعتقد أنه يمكن للشعر أن يقترب من التعبيرات اللغوية الأخرى. نعم ككاتب أو منتج للأدب يمكنه أن يختار التركيز على أجزاء مختلفة من هذا التنوع الغني الذي هو “الشعر”.
هل تتلقى المؤسسة دعماً من جهات حكومية أو من منظمات غير حكومية؟
يحظى مشروع NolitchX بدعم من مؤسسات مثل مؤسسة أدب الشمال، ودوماً يبحث عن تمويل لتنفيذ مشروعاته من جهات حكومية أو إقليمية وكذا الحال بالنسبة للبلديات والمؤسسات الخاصة. الدعم مهم لنا حتى نتمكن في NolitchX من إيفاء مستحقات الكتَّاب والمترجمين الذين ندعوهم للقراءة و للترجمة في أمسياتنا وأنشطتنا الثقافية.
ماهي خطط المؤسسة للسنوات القادمة بخصوص ترجمة الشعر ونشره؟
NolitchX سوف يواصل تقديم ترجماته لنصوص الكتاب المهاجرين في دول الشمال، ونشرها على موقعنا nolitchx.com.
نحن منسقو هذا المشروع اعتدنا أيضاً أن نوّجه الكتّاب في الوجهة الصحيحة التي يمكن أن تستلم نصوصهم مع تقديم إمكانية تدقيقها والعمل على ترجمتها بشكل مستوفٍ لشروط النشر. نأمل في المدى المنظور أن نبدأ طباعة بعض الكتيبات التي يمكن أن تسهم بنشر أدب نحن نضطلع بمهمة الترويج له في بلاد الشمال.
مكتوب على صفحة المؤسسة إنها منظمة غير ربحية؟ كيف تقيمون الأعباء المالية التي تترتب عن النشاط في الترجمة والنشر؟
بالتأكيد NolitchX مشروع غير ربحي، والمؤسسات التي تعمل على المشروع (زهور النرد الثقافية الثلاث في مالمو- السويد و منصة سيفوفالو في هلسنكي – فنلندة) لا تهدف للربح، وبالتالي فإن المشروع برمته يعتمد على الجهات المانحة لنا.
في بلدان الشمال الأوروبي برامج الدعم الحكومي للأدب المكتوب تركز على اللغات الرئيسية خارج محيط هذه البلدان، والتي تمتلك أسباباً تاريخية. في بعض الحالات الاستثنائية يمكن تقديم طلب للترجمة إلى بعض اللغات الاسكندينافية شريطة أن يكون الكاتب قد نشر كتابين على الأقل. بالطبع هذه مشكلة تواجه الكتَّاب المهاجرين الذين يكتبون باللغات الأم، وهنا يضطلع NolitchX بوظيفة في غاية الأهمية، والفضل بذلك يعود للمانحين الذين يساعدوننا في الدفع لمترجمين محترفين إلى اللغات الاسكندينافية الرئيسية دون الاعتماد على البلد الذي وفد منه المؤلف. الترجمات عمل أساسي في مشروعنا وحوالي خُمس ميزانيتنا يذهب لعمل الترجمة والمترجمين. بالطبع نشر هذه الأعمال على الموقع لا ينطوي على أي قدر من الكلفة، ولكن نشرها في كتب يتطلب دعماً أكبر نأمل أن يتحقق مستقبلاً.
للشركات السويدية إسهامات كبيرة على مستوى إعادة تشكيل العالم وفق رؤى اقتصادية معينة. هل يمكن للمؤسسات ذات الطابع الثقافي أن تسهم بشكل ما في بلورة ولو جزء من هذه الرؤى؟؟
كعاملة في القطاع الثقافي آمل أن يكون عملنا في المؤسسات الثقافية، المنظمات، المشاريع عاملاً مساعداً في عكس عالمنا ومواقفنا وطرائقنا في الحياة. وأما فيما يتعلق ببعض التطلعات الملموسة ذات المنشأ الاقتصادي، أو التي تخضع لتوجهات اقتصادية لجهة تمويل عمليات ترجمة نصوص الكتّاب المهاجرين إلى أي من اللغات الرئيسة في البلدان الاسكندينافية، فإن NolitchX هو بديل (وإن كان محدوداُ للغاية) للاقتصاد الذي تطبقه دول الشمال في إسهاماتها لدعم القطاع الثقافي حيث يكاد أن يكون هناك دعم حصري للترجمة من اللغات الرئيسة ولغات الأقليات الرسمية في هذه الدول، وهذه مشكلة رئيسية تواجه الكتّاب الذين يعيشون في اسكندنافيا ويكتبون بلغات أخرى. وان كان ثمة تأثير لNolitchXعلى السياسة الثقافية في هذه الدول، فأنا لا أجرؤ على التعليق. وبالتأكيد المسؤولية تقع هنا أيضاً على الجامعات والمنظمات الثقافية في تقديم نظريات وتحليلات تساعد على تغيير هذه النمذجة الاقتصادية، وأنا على يقين بأنهم سيتولون دراسة مشروعنا NolitchX واستلهام أفكاره وطروحاته في هذا السياق.
هل تعتقدين أن الشعر في العالم بخير؟
لا أعتقد أنه يمكننا الحديث عن الشعر من جهة الخير والشر، أو السيئ والحسن. بالتأكيد مثلنا نحن البشر، فإن الشعر يمكن أن يكون جيداً أو سيئاً للعالم. الشعر هو التنوع الذي يتشكل منه عالمنا، والتنوع شيء جيد وعلينا احترامه والدفاع عنه والقتال من أجله.
لماذا اخترت الإقامة في مكسيكو؟
حب !