حظي الفيلم الفلسطيني (إلى أرض مجهولة) للمخرج الدنمركي – الفلسطيني مهدي فليفل بترحيب ملفت في مهرجانات كثيرة حول العالم.
وليس بعيداً عن هموم الفيلم، وتنوّع مصادره، وحكايته، تعيش أماكن عدَّة حول العالم أيضاً على صفيح ساخن، ومصدر ذلك، الهجرة والمهاجرين وواقع العنصرية، وانعكاساتها (المباشرة) على واقع البلدان التي ظلَّت حتى وقت قريب بمثابة (جنَّات اللجوء) لدى البعض، قبل أن تتغيّر الأحوال فيها مع صعود اليمين الشعبوي المتطرف والكاسح (الأوروبي على وجه الخصوص)، وتُتخذ سياسات متشددة غير مسبوقة في تاريخ هذه البلدان.
إذن، جاء الفيلم لينكأ جراحاً لم تندمل بعد عند البعض، فهذا (البعض) مازال يعيش أيضاً ويتقلّب على نيران موجة هجرة 2015، وهي الموجة التي أسست لبراكين انتخابية غيّرت من المزاج الأوروبي نفسه، ومع ذلك يجيء فيلم (إلى أرض مجهولة) ليعيد نكهات تلك الروح المتسامحة التي ميزَّتهم (البعض) حتى وقت قريب، وهم يعيدون لملمة جراح كثيرين قصدوا هذه البلدان طلباً للجوء والحماية.
رحلة عوليسية
صحيح أن الفيلم كان قاسياً نوعاً ما في استعراضه مأساة لاجئين فلسطينيين (شاتيلا ورضا)، ولم يغفر لهما كونهما غير شريرين، ولكنهما لم يكونوا ضحايا أيضاً، وقد وجدا نفسيهما لصين شاردين وتائهين في منزلقات العاصمة اليونانية أثينا، كمحطة أولى، بانتظار تحقيق انفراج مادي يسمح لهما بإكمال رحلتهما (العوليسية) من بلد الانتظار الإغريقي المكلف إلى ألمانيا، أرض السمن والعسل… والمطعم العربي الذي يحلمان بتأسيسه فيها.
لا يبتعد الفيلم في تقنياته عن تصوير (نمطي أحياناً)، لما يُقال أو يُشاع عن لاجئي أثينا بالتحديد، فمن يعرف خفايا التخفي فيها، ولو مؤقتاً، يشعر بغرابة الموقف اليوناني (الرسمي) والشعبي إلى حد ما من اللاجئين واللجوء بشكل عام، وقبل عقد من الآن على الأقل كان يمكن للشرطة اليونانية –مثلاً- أن تعتقل العشرات ممن يحاولون الفرار عبر المطارات بجوازات سفر مزورة، وتتساهل معهم إلى حد إطلاق سراحهم مكتفية بمصادرة الوثائق التي يحملونها وإتلافها، وكأن ثمة اتفاق ضمني غير مفهوم على ضرورة فتح ممرَّات آمنة لمهاجري هذه الدفعة التي بلغت أوجها في 2015 كما أسلفنا!!.
جواز سفر.. الشبيه!
شاتيلا (محمود بكري) ورضا (أرام صباح) أولاد عمومة جاءا من مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة صيدا اللبنانية إلى أثينا، وقد جربَّا حظوظهما في محاولات متعثرة لإكمال رحلة اللجوء باتجاه ألمانيا، لكن قلّة المال منعتهما من التفاهم مع المهرب مروان (منذر رياحنة) الذي يطلب مبلغاً ضخماً لقاء تأمين جوازي سفر (الشبيه) لهما، وهي عادة تكون جوازات حقيقية مسروقة من أصحابها، أو أن مالكيها الأصليين قاموا ببيعها من أجل استكمال حفلات المجون والدعارة التي قد ينخرطوا فيها أثناء رحلاتهم الصاخبة والمجنونة في المدن الأوروبية المختلفة، وغالباً تقع هذه الجوازات بأيدي شبكات مهربين محترفين يعرفون قيمتها، فقد يكلف الجواز منها خمسة آلاف يورو أو أكثر، بعكس الجوازات المزورة السريعة التي تكتفي بإلصاق صورة حقيقية للاجئ، وقد لا يكلف تزويرها في ساحة (سينديغما) في العاصمة أثينا أكثر من مائتي يورو، ولكن هذه النوعية (مضروبة) وغير مضمونة وسهل اكتشافها من قبل شرطة المطارات والحدود.
التحرر من وحشة المنفى
أهمية فيلم (إلى أرض مجهولة) تكمن في ذلك الانعتاق البصري الأخَّاذ الذي مارسه مهدي فليفل مع أبطاله في شوارع أثنيا الخلفية، حتى يبدو المشهد بالفعل كأننا نقف أمام أبطال أثينيين من روايات تراجيدية بنكهات معاصرة، وقد لعبت مصادر الإضاءة الطبيعية وسلاسة حركة الكاميرا، وذلك التقطيع المتوتر بين كادرات مشحونة بالقلق والانغماس الكلي في اللون الأزرق، الشاحب، والرمادي الحدّي في خلق أرجحة داخلية في الأعماق الداخلية لممثليه، حتى يخال لنا كمشاهدين أننا نقبض على روحين تائهين حقاً في الفناء الخلفي لعاصمة تتعذَّب وتُعذّب (ضيوفها) من مقيمين مؤقتين على أراضيها، وهي إذ لا تتشدد في فرض قوانينها عليهم، فإنها تبتر ذلك الجزء غير المعافى منها، فنحن غالباً سنتوقع من رضا أن يقوم بعمل داعر مع بعض طالبي الجنس الذكور في هذا الفناء المشيّد في النفوس قبل المكان من أجل إكمال العيش، والتحرر من توحش المنفى الذي يظهر هنا في ثوب مهرب من أبناء جلدتهم، حتى أنهم قد لا يتورعون عن سرقة بعضهم البعض من أجل مواصلة حياتهم بطريقة من الطرق، حتى لو كانت طرقاً غير شريفة، وليس سلوك رضا إلا تنويعاً على هذه الطرق، فبعد أن كان شاتيلا يعترض حكماً على سلوك ابن عمه، نجده حين يُسقط في يده يدفعه هو بنفسه لممارسة الدعارة مجدداً مع طالبيها دون أن يرف له جفن، وعندما يقع ذلك الفتى الغزّاوي (13 عاماً) في براثن شاتيلا لا يتورَّع عن أن يعتبره صيداً ثميناً قد يمكنه من شراء جوازي سفر (الشبيه) له ولابن عمه، فالفتى طالب لجوء أيضاً، وقد فقد والديه في القطاع، ولم يبق له سوى عمتّه في ايطاليا التي تريد تأمين سفره أيضاً عندها، ولكنها لن تدفع المال للمهربين قبيل وصوله إليها سالماً. هنا يتكئء شاتيلا الذي يتمتَّع بحس قيادي صارم نسبياً على الفتاة اليونانية المدمنة تاتيانا من أجل أن تلعب دور الأم أثناء تسفير الفتى عند عمته، بعكس رضا، القلق، الضعيف، الهش، ولكنه الذي يمتلك حساً إنسانياً رهيفاً يوقعه عادة في مطبَّات وجودية ليس هذا وقتها في عاصمة لا تتنكر له ولابن عمه، ولكنها لا تعترف بوجودهما أيضاً، بالرغم من سوء معاملتها من قبلهما ك(ضيفين) عابرين على الأقل، فلا ننسى المشهد الافتتاحي حين يبول رضا على أثينا من فوق جبل الأولمب، فيما يشتمها شاتيلا ببذاءة.
اللاجئ حين يوقع بلاجئ مثله
لا تبتعد تلك المحاولة مع تاتيانا للسفر مع الفتى مقابل اقتسام المبلغ المالي الذي تعد به العمَّة عن أن تكون مشكلة جدية غير مفهومة في السيناريو، فلا نعود نعرف شيئاً عنها، ولماذا انتزعت من سياقها الدرامي، ومع تطور الأحداث كعاقبة لبعض التطويل الذي انتهجه الفيلم أثناء دورانه في المكان يتفتَّق ذهن شاتيلا عن فكرة الإيقاع ببعض اللاجئين السوريين من خلال إقناع المهرب مروان بتسفيرهم عن طريقهم مقابل الحصول على مال وفير منهم يسمح له ولابن عمه بدفع ثمن جوازي السفر، إلا أنه تفوتهم كلمة السر التي يحتفظ بها السوريون المعتقلون والمكبلون في بيت تاتيانا، وهي كلمة ذات دلالة بليغة، ويمكن اعتبار ذلك (هنّة) في الكتابة كان يمكن تلافيها بسهولة، لأن أي وافد جديد يتعامل مع المهربين يدرك منذ الوهلة الأولى أسرار تهريب المهاجرين، وان إيداع المال عند ال(بنك) المحايد الذي يعمل بين المهرب والمهاجر مقابل عمولة يُتَفَقُّ عليها يحتاج إلى كلمة سر لتسليمه للمهرب، بعد نجاح عملية التهريب، وما كان يجب أن يفوت شاتيلا (المحنك) على الأقل هذه الهفوة التي ربما اعتورت الفيلم بسبب من وجود ثلاثة كتَّاب للسيناريو في وقت واحد.
رحلة لاتنتهي
على أية حال يتم انتزاع كلمة السر من حلوق السوريين بالقوة، وهي مؤلفة من كلمتين كلفتا أهلها ضحايا كثيرين بمئات الآلاف وملايين المهجرين. (تحيا سوريا) كلمة سر تسهم بشكل أو بآخر بتعذيب شاتيلا ورضا، ولكن هاهنا يمضي الوقت الذي يسمح بلوم الضحيتين: السوري والفلسطيني اللذان ينهشان بعضهما في المنفى. لا يتحمل رضا قسوة ما يحدث، فيعود إلى المخدرات، ويحقن نفسه بجرعة زائدة، ليموت في الطريق إلى المستشفى، ويتبخّر حلم شاتيلا ببلوغ ألمانيا من أجل أن يؤسس مطعمه للأكل العربي، الأكل الذي يتكلَّم عنه كثيراً مع زوجته التي تنتظر من لبنان نهاية ما للرحلة. نهاية لا يبدو أنها قريبة!
