من 16 يونيو الجاري وحتى 16 أغسطس 2026، يحتضن فضاء هماركوللين في مدينة غوتنبرغ \ السويد تجربة فنية غير مألوفة تحمل عنوان “جواز السفر”للفنان السويدي يواكيم ستامبي، وهو معرض مفتوح أمام الزوّار على مدار الساعة، يقدّم قراءة بصرية وفلسفية لوثيقة تبدو في ظاهرها إدارية ومحايدة، لكنها تخفي خلف صفحاتها واحدة من أكثر أدوات العصر ارتباطاً بالسلطة والتحكّم في مصائر البشر.
في هذا المشروع الفني، يعمل ستامبي على أرشيف شخصي من الصور، يدمجه مع التدفق البصري العالمي عبر استخدام جوازات سفر ملغاة ووثائق سفر قديمة تتحوّل، تحت يديه، إلى مادة تولّد صوراً جديدة. هنا لا تصبح آلة النسخ مجرد وسيلة تقنية، بل تتحوّل إلى شكل خاص من أشكال المقاومة، حيث تبدأ البنية المعيارية الجامدة لوثيقة السفر في التفكك، ويتسلل الإنسان من بين طبقات النظام البيروقراطي الصارم.

رموز أمنية
جواز السفر، الذي يُقدَّم عادة بوصفه إثباتاً إدارياً للهوية وحرية التنقل، يظهر في هذا المعرض على حقيقته الأكثر تعقيداً: وثيقة تحدد من ينتمي، ومن يُقصى، ومن يملك حق العبور، ومن يبقى عالقاً خلف الحدود. خلف كل جواز سفر، ثمة حيوات كاملة، قصص حب، تجارب يومية، صراعات، انتظار، حياة وموت، تختبئ جميعها داخل مادة ورقية تبدو للوهلة الأولى بلا روح.
يتعامل ستامبي مع هذه المساحة الرمادية الواقعة بين السيطرة والصدفة، بين النظام والفرد، بين الانتماء والإقصاء، فهو لا ينظر إلى المواطنة باعتبارها هوية ثابتة ونهائية، بل كحالة مشروطة يمكن إعادة التفاوض حولها، أو فقدانها، أو حتى إنهاؤها بالكامل. وفي هذه العملية، تتحوّل الأختام والتأشيرات والرموز الأمنية من مجرد علامات إدارية إلى شواهد على تجارب إنسانية معقدة، تفتح الوثيقة أمام قراءة جديدة وغير مألوفة، لكن ما يجعل المعرض أكثر فرادة ليس الأعمال الفنية وحدها، بل الطريقة التي صُمم بها فضاء العرض نفسه.
“ليست كل الحدود مرئية… بعضها يبدأ من ورقة تحمل اسمك.”
استهلاك الصور اليومي
فالزائر لا يتجوّل بحرية داخل قاعة تقليدية، بل يختبر الأعمال أثناء الحركة على السلالم المتحركة داخل المحطة. ستة عشر عملاً موضوعاً داخل إطارات مضاءة، تمر أمام العين بسرعة، فلا يكاد المشاهد يتوقف عند لوحة حتى يجد نفسه أمام العمل التالي.
هذه التجربة المزعجة قليلاً، والمربكة عمداً، تبدو انعكاساً دقيقاً لعصرنا الراهن. لقد اعتدنا استهلاك الصور بالسرعة نفسها عبر الهواتف الذكية والشاشات الصغيرة، نمرر الصور سريعاً قبل أن نتأملها حقاً. هنا تتحوّل هذه العادة الرقمية إلى تجربة مادية ملموسة، حيث يفرض السلم المتحرّك إيقاع المشاهدة نفسه، تماماً كما تفعل الأخبار والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن المعرض لا يقدم الحكاية نفسها في كل اتجاه، فالرحلة إلى هماركوللين تختلف جذرياً عن الرحلة منه. أثناء الصعود، يصادف الزائر صوراً تتناول الوطن والعائلة والرعاية والمحبة الأخوية، أي كل ما يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء ومكاناً آمناً داخل العالم.
أما أثناء النزول، ومع مغادرة المحطة باتجاه المدينة، تتبدّل الرواية بالكامل. هنا تظهر أسئلة الهوية والهجرة والحرية والسيطرة والهياكل السياسية والاجتماعية التي تحدد مصائر البشر وفرصهم في الحركة والانتماء.
تجربة وجودية
وفي الطابق السفلي، يواجه الزائر المرحلة الأوسع من المشروع: أكثر من 200 صورة شخصية مستخرجة من خمسين جواز سفر ممزّق، تتحوّل مجتمعة إلى أرشيف بصري متنامٍ لوجوه البشر ورحلاتهم وذكرياتهم، وصورة جماعية عن حركة الإنسان في عالم تحكمه أنظمة تحدد من يحق له السفر، ومن يملك شرعية البقاء، ومن يُدفع نحو الهامش. ربما لهذا السبب، لا يمكن مشاهدة معرض “جواز السفر” مرَّة واحدة فقط، فالفنان يدعو الزائر إلى تكرار الرحلة مراراً، صعوداً ونزولاً، ذهاباً وإياباً، كي يكتشف كيف تتغيّر القصة نفسها بحسب اتجاه السفر. وكأن الحركة ذاتها تصبح جزءاً من العمل الفني، وكأن الوصول والمغادرة ليسا مجرد انتقال مكاني، بل تجربة وجودية كاملة.
وفي حديث عن المشروع، يشرح الفنان يواكيم ستامبي بدايات الفكرة قائلاً إنه اعتاد لسنوات جمع الوثائق والأوراق القديمة لاستخدامها في أعماله الفنية، إلى أن عثر ذات يوم على جوازات سفره الملغاة داخل درج قديم. بدأ يجرّب عليها، واكتشف على طاولة الإضاءة عالماً خفياً من العلامات المائية والرموز التي لم يكن يلاحظها سابقاً. أُعجب بالنتيجة، وبعد فترة قصيرة بدأ بمبادلة أعماله الفنية الأصلية مقابل جوازات سفر ملغاة حصل عليها من أصدقائه ومعارفه، لتبدأ الفكرة في التطور تدريجياً حتى أصبحت هذا المشروع الكبير.
عملياً، يقوم ستامبي بفصل جوازات السفر بعناية إلى صفحات منفصلة، ثم يطبع الصور فوق صفحات مختارة، مستفيداً من الأختام والأنماط الأمنية والآثار البصرية المتراكمة فوقها.

بيئة الفنان يواكيم ستامبي
تحمل أغلفة هذه الجوازات البالية شعارات وطنية ورموز دول، كانت يوماً ما تمثل السلطة والاستمرارية والسيادة. لكن داخل هذا المشروع تتحوّل هذه الرموز إلى آثار هشّة لحدود متغيّرة وهويات قابلة للتبدّل، وأسئلة مفتوحة حول معنى الانتماء نفسه.
وُلد يواكيم ستامبي عام 1959، ويعيش ويعمل في مدينة غوتنبرغ السويدية، ويُعد اليوم أحد أبرز فناني الأداء المعاصرين في السويد. منذ عام 2006 قدّم أكثر من مئة عمل أدائي، وشارك في مهرجانات وفعاليات فنية في أكثر من خمس عشرة دولة عبر أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية والجنوبية.
نشأ في بيئة فنية مسيّسة، حيث كان والداه فنانين معروفين بنشاطهما السياسي، وبدأ الرسم منذ طفولته قبل أن ينتقل لاحقاً إلى فن الشارع والرسم على الصخور والأجسام المختلفة. ومع تأسيسه لمشروع Live Action عام 2006، بدأ تركيزه يتجه أكثر نحو فن الأداء، دون أن يغادر الفضاء العام الذي شكل دائماً جزءاً أساسياً من تجربته.
يصعب تصنيف أعمال ستامبي ضمن أسلوب واحد، فهو فنان يميل باستمرار إلى اختبار مواد جديدة وغير مألوفة، ويعتمد في عمله على الحدس والخيال والتجريب الدائم. وإذا كانت هناك كلمة تختصر تجربته كلها، فهي ببساطة: التجديد.
في النهاية، لا يقدم معرض “جواز السفر” أعمالاً فنية عن وثائق السفر فقط. إنه يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يعني أن تكون هويتك محكومة بورقة؟ وكم من القصص الإنسانية تختبئ خلف الوثائق التي نظنها محايدة؟
