في كتابها «الليلة الماضية في السويد: تأملات في ثورة»، تطرح الكاتبة والصحافية السويدية باولينا نيودينغ، كاتبة الافتتاحيات في صحيفة Svenska Dagbladet، رؤية نقدية تعتبر أن السويد تواجه تهديداً حضارياً ناجماً عن نمط معين من الهجرة وسياسات الاندماج التي اتُّبعت خلال العقود الماضية.
هذه الأطروحة كانت محور مراجعة نقدية كتبها الكاتب والناقد الثقافي هاينك بالاس في صحيفة Expressen، حيث يناقش الكتاب بوصفه نموذجاً لطريقة قراءة التحوّلات التي شهدها المجتمع السويدي، لكنه في الوقت نفسه يعترض على اختزال هذه التحوّلات في عامل واحد هو الهجرة.
مشاهد من فيلم
يستهل بالاس مراجعته باستحضار فيلم «G. 21 مشاهد من غوتسندا»للمخرج لوران باتي، الذي يرصد بحزن واقع الضاحية التي نشأ فيها بمدينة أوبسالا، حيث يقول أحد أبطال الفيلم: «لا يوجد شيء إيجابي هنا، فالناس يرتكبون فظائع بحق بعضهم البعض.»ويشير بالاس إلى أن الانطباع ذاته يرافقه أثناء قراءة كتاب نيودينغ، إذ يرسم صورة قاتمة للمجتمع السويدي تكاد تخلو من أي ملامح إيجابية، بحيث تبدو الهجرة والاندماج والنقاش العام كلها ساحات للفشل، بينما ينقسم المجتمع إلى من حذروا مبكراً، ولم يُصغ إليهم، ومن تجاهلوا تلك التحذيرات.
وليس من قبيل المصادفة أن يحمل الكتاب عنوانه من العبارة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 بعد متابعته تقريراً بثته قناة Fox Newsعن السويد، حين تساءل ساخراً: «انظروا إلى ما حدث الليلة الماضية في السويد.»وهو عنوان يمنح الكتاب منذ البداية بعداً سياسياً واضحاً.
وليس من قبيل المصادفة أن يحمل الكتاب عنوانه من العبارة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 بعد متابعته تقريراً بثته قناة Fox Newsعن السويد، حين تساءل ساخراً: «انظروا إلى ما حدث الليلة الماضية في السويد.»وهو عنوان يمنح الكتاب منذ البداية بعداً سياسياً واضحاً.
نقاش سويدي
لا يحمل مضمون الكتاب مفاجآت كبيرة لمن تابع مقالات نيودينغ السابقة، فهو يتناول قضايا أصبحت جزءاً من النقاش السويدي المعاصر، مثل جرائم إطلاق النار، والتفجيرات، والعصابات الإجرامية، وموسيقى الراب المرتبطة بثقافة العصابات، ومعاداة السامية المستوردة، وجرائم الشرف، وما تسميه الكاتبة «العنصرية ضد السويديين». غير أن بالاس يرى أن تحويل هذه المقالات إلى كتاب كان يمكن أن يتيح مساحة أوسع للتحليل وتعقيد الصورة، وهي فرصة لم تستثمرها الكاتبة بما يكفي.
ويشير إلى أن أكثر فصول الكتاب إثارة يتمثّل في انتقاد نيودينغ لما تعتبره إنكاراً طويلاً لحجم الأزمة، مستشهدة بمواقف الكاتب والصحافي يان غيّو، الذي قلّل في إحدى المناسبات من خطر العصابات المسلحة، معتبراً أن أحواض الاستحمام المنزلية تشكل خطراً أكبر من عنف المراهقين المسلّحين. بالنسبة إلى نيودينغ، يجسد هذا المثال كيف جرى التقليل من المخاطر الأمنية التي يواجهها سكان المناطق الهشّة، على حساب حقهم في الأمن والحرية.
قيم مختلفة
ورغم ذلك، يعترف بالاس بأن الكاتبة تسجل أحياناً ملاحظات متوازنة، إذ تشير إلى أن جميع المشكلات الاجتماعية لا يمكن تفسيرها بالهجرة وحدها، وأن بعض أشكال العنف لا علاقة لها بسياسات الهجرة، كما تعترف بوجود تمييز في سوقي العمل والإسكان، وأن التهديدات التي تتعرّض لها المكتبات والمؤسسات الثقافية لا تصدر فقط عن متطرفين ذوي خلفية مهاجرة، بل أيضاً عن جماعات اليمين المتطرف.
لكن هذه الملاحظات، برأي المراجع، تتراجع أمام الأطروحة الأساسية التي يبني عليها الكتاب، والمتمثلة في أن الهجرة أصبحت تهدد «الحضارة السويدية» نفسها، وأن قيماً دخيلة على المجتمع باتت تحل تدريجياً محل القيم التقليدية. وهنا يرى بالاس أن هذا الطرح يختزل المجتمع في ثنائية تبسيطية بين «السويديين» و«المهاجرين»، متجاهلاً التعقيد الذي يميّز المجتمع السويدي اليوم.
عالم ذكوري موازي
ويضيف أن قراءة واقع السويد في عام 2025 تستدعي النظر إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية عن الهجرة. فمن غير الممكن، في رأيه، الحديث عن تصاعد ثقافة العنف الذكوري داخل بعض البيئات المهاجرة، من دون الالتفات أيضاً إلى تنامي ما يسميه «عالم الذكورة» داخل المجتمع السويدي نفسه، حيث تحظى شخصيات مثل دونالد ترامب، وأندرو تيت، ورجال أعمال متهمين بالاحتيال، بمكانة رمزية لدى بعض الشباب، بينما تستقطب الحركات اليمينية المتطرفة أبناء الطبقة الوسطى.
كما ينتقد بالاس إغفال الكتاب حقيقة أن شعور اليهود بانعدام الأمن لا يرتبط فقط بالهجرة القادمة من الشرق الأوسط، بل يتأثر أيضاً بصعود قوى سياسية ذات جذور تاريخية مرتبطة باليمين المتطرف، إضافة إلى تجاهل أثر التفاوت الاقتصادي المتزايد في إضعاف فرص اندماج القادمين الجدد داخل المجتمع السويدي.
الواحة الديمقراطية السويدية
ويخصص المراجع جزءاً من نقده لقضية اللاجئين الأفغان، الذين تعرّضوا لحملات تشويه واسعة خلال أزمة اللجوء عام 2015. فبينما يصفهم الكتاب بأنهم قادمون من مجتمعات تختلف جذرياً عن المجتمع السويدي، يشير بالاس إلى أن كثيراً منهم حققوا نجاحاً ملحوظاً في سوق العمل، بل اختار عدد منهم مهناً تكسر الصور النمطية المرتبطة بالأدوار الجندرية، وهو ما يعكس قدرة أكبر على الاندماج مما يوحي به الخطاب السائد.
وفي خاتمة مقاله، يستعيد بالاس تجربة الكاتب اللاتفي المنفي غونارس إيربي، الذي كتب عام 1966 عن الضغوط التي كان يعيشها المهاجر بين المحافظة داخل جماعته الأصلية، وبين الصعوبات التي واجهها في المجتمع السويدي نفسه، متسائلًا: «هل يمكن أن يكون التعصب القومي متجذراً إلى هذا الحد في بلد يمتلك تاريخاً طويلاً في الفكر الديمقراطي؟»
تحميل الهجرة العبء الأكبر
ويخلص إلى أن الاعتراف بخطورة عنف العصابات، أو بوجود معاداة للسامية، أو بجرائم الشرف، لا ينبغي أن يقود إلى تفسير جميع أزمات المجتمع السويدي من زاوية واحدة. فالنقاش حول الاندماج، كما يرى، يحتاج إلى رؤية أكثر شمولاً، تتناول أيضاً العوائق البنيوية داخل المجتمع السويدي نفسه، بدل الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الهجرة وحدها.
بهذا المعنى، لا يقدم كتاب «الليلة الماضية في السويد»، في نظر هاينك بالاس، تفسيراً متوازناًللتحوّلات التي شهدها المجتمع السويدي، بقدر ما يعكس اتجاهاً سياسياً يحمّل الهجرة العبء الأكبر في تفسير أزمات معقدة تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية يصعب اختزالها في سبب واحد.
