يُعدّ بختيار علي واحداً من أبرز الأصوات الروائية في الأدب الكردي المعاصر، وقد استطاع أن يفرض حضوره خارج حدود اللغة الكردية بفضل عالمه السردي الذي يمزج التاريخ بالأسطورة، والواقع بالغرائبي، والسياسي بالإنساني. ارتبطت تجربته الأدبية بتحوّلات العراق وكردستان والحروب والصراعات التي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الفردية والجماعية، كما أسهم حصوله عام 2017 على جائزة نيلي زاكس الألمانية في تعزيز حضوره العالمي
صدرت روايته “آخر رمّان الدنيا” أصلًا بالكردية السورانية عام 2002، ثم تُرجمت إلى العربية على يد غسان حمدان. وتدور حول مظفر صباحي، المقاتل البيشمركه الذي يقضي واحداً وعشرين عاماً في سجن صحراوي، قبل أن يخرج باحثاً عن ابنه سارياس، الذي كان لا يزال رضيعاً حين اعتُقل، غير أن رحلة البحث عن الابن تتحوّل تدريجياً إلى رحلة في الذاكرة والحرب والهوية، وتكشف أن الإنسان قد يخرج من السجن، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يخرج من التاريخ الذي صنع سجنه.
ليست القضية، إذن، قصة رجل قضى أكثر من عقدين خلف القضبان ثم عاد إلى الحرية، فالسجن في عالم بختيار علي ليس جدراناً تنتهي بانفتاح الباب، بل هو التاريخ حين يتحوّل إلى ذاكرة، والذاكرة حين تستقر في الجسد كقدر، لذلك لا يعود مظفر إلى العالم الذي غادره، فالعالم تغيّر، وهو نفسه تغيّر، والزمن الذي سُرق منه لا يمكن استعادته.
السجن الذي لا يحتاج إلى جدران
تبدو الرواية، في أحد مستوياتها، رواية عن استحالة العودة، فمظفر لا يخرج من السجن بقدر ما ينتقل إلى شكل آخر منه: سجن الماضي والذاكرة وتحوّلات المكان والناس، ومن هنا لا يكون السؤال: هل خرج مظفر من السجن؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يخرج من التاريخ الذي سجنه؟
السجن عند بختيار علي حالة وجودية قبل أن يكون مكاناً، فالإنسان الذي يخرج بعد سنوات طويلة لا يستعيد حياته كما كانت. إنه يواجه عالماً لم يعد موجوداً. تغيّرت الوجوه والأماكن، وفقدت الذكريات براءتها، وهنا تصبح الحرية نفسها مفارقة: يمكن للباب أن ينفتح، لكن الأسير قد يبقى أسيراً لما حدث داخله، فالسلطة لا تحتاج إلى الاستمرار خلف القضبان كي تفرض حضورها، يكفي أن تترك أثرها داخل الإنسان، وهنا تقترب الرواية من الحساسية الكافكاوية، وإن كانت تعيد صياغتها في سياق تاريخي وسياسي مختلف، فإذا كانت السلطة عند كافكا غامضة ومجردة، فإن بختيار علي يجعل التاريخ نفسه سلطة: الحرب والسجن والأيديولوجيا والمنفى والذاكرة، كلها تتحوّل إلى قوى تتجاوز الفرد وتعيد تشكيل حياته.
الذاكرة بوصفها سلطة
لا تتعامل الرواية مع الذاكرة باعتبارها أرشيفاً محايداً للماضي، فالماضي لا يعود كما حدث، بل يعود عبر الحكايات والغياب والتأويل والأسطورة، ومن هنا يبرز سؤال أساسي: من يملك حق رواية الماضي؟
بختيار علي لا يمنح الذاكرة براءة مطلقة، فكل تذكر يتضمن نوعاً من الحذف، وكل رواية للماضي هي إعادة بناء له
قد يسجل التاريخ الرسمي التواريخ والوقائع، لكنه يعجز عن تسجيل خوف أم، أو صمت سجين، أو ملامح صديق غائب، لذلك تنحاز الرواية إلى التاريخ الهامشي، إلى أولئك الذين لا تظهر أسماؤهم كاملة في السجلات، لكن بختيار علي لا يمنح الذاكرة براءة مطلقة، فكل تذكر يتضمن نوعاً من الحذف، وكل رواية للماضي هي إعادة بناء له، وهكذا يصبح النص مساحة للصراع بين ما حدث فعلاً، وما نتذكر أنه حدث، ومن يمتلك سلطة تفسيره، فالذاكرة ليست مجرد مقاومة للنسيان، بل قد تكون بدورها قوة تعيد تشكيل الحقيقة.
الأسطورة حين يصبح الواقع غير قابل للتصديق
من أبرز سمات عالم بختيار علي توظيف الأسطورة والغرائبية والمبالغة. غير أن هذه العناصر ليست مجرد زينة أسلوبية، بل وسيلة لمواجهة واقع أصبح في كثير من الأحيان أكثر غرابة من الخيال، فحين يبلغ التاريخ السياسي درجة من العنف والعبث، تصبح الواقعية التقليدية عاجزة عن تمثيله، لذلك تستعين الرواية بالأسطورة كي تستعيد ما عجز الواقع المباشر عن قوله، فالأسطورة هنا ليست هروباً من الحقيقة، بل طريق آخر إليها، ومن خلال الغرائبية، تفكك الرواية فكرة وجود واقع واحد ونهائي، فهناك واقع رسمي، وواقع للذاكرة، وواقع للحكاية، وواقع للألم الإنساني، وهذه المستويات تتجاور دون أن يحتكر أحدها الحقيقة.

“آخر رمّان الدنيا”: العنوان بوصفه مفتاحاً
يحمل عنوان الرواية دلالة رمزية كثيفة، فالرمّانة ثمرة تبدو واحدة من الخارج، لكنها في الداخل مكتظة بحبوب كثيرة، إنها وحدة تحتوي تعدداً، وقشرة تخفي عالماً كاملاً، وهذه الصورة تلائم عالم الرواية الذي يبدو من الخارج مجتمعاً واحداً، لكنه يخفي داخله عشرات الحيوات والذكريات والآلام. أما كلمة “آخر” فتمنح العنوان معنى الفناء والاستنفاد، كأننا أمام ثمرة أخيرة في عالم استُنزفت قدرته على إنتاج الحياة، ومع ذلك، لا تصبح الرمّانة رمزاً للموت وحده، فهي تحمل في داخلها إمكانات الحياة والاستمرار، ومن هنا يمكن قراءتها بوصفها استعارة للإنسان: هشّ من الخارج، لكنه يحمل في داخله احتمالات متعددة للنجاة.
من القضية إلى الإنسان
الرواية التي تنشأ في ظل الحرب معرضة دائماً للتحوّل إلى خطاب سياسي مباشر، لكن بختيار علي يقاوم هذا الاختزال، فهو لا يكتفي بتقسيم العالم إلى ضحية وجلاد، أو إلى “نحن” و”هم”، بل يعيد الفرد إلى مركز التاريخ، فالخطابات الكبرى تتحدث عن الشعوب والثورات والقوميات والحدود، أما الرواية فتسأل: ماذا حدث لإنسان واحد؟ ماذا فعلت السنوات بمظفر؟ ماذا بقي من ذاكرته؟ وهل يستطيع أن يستعيد ذاته؟ هنا تصبح الرواية فعلاً أخلاقياً، لأن كل تاريخ يفقد وجه الإنسان يصبح تاريخاً ناقصاً، كما أن الكاتب لا يقدم الضحية بوصفها كائناً نقياً خارج التعقيد، بل يترك شخصياته في منطقة إنسانية رمادية، قابلة للحب والخيانة والضعف والمقاومة.
الحب في مواجهة التاريخ
الحب في الرواية ليس هامشاً رومانسياً، بل يمكن قراءته بوصفه فعل مقاومة، فالعنف السياسي يحوّل الإنسان إلى رقم، أو “عدو”، أو “ضحية”، بينما يعيد الحب إليه اسمه ووجهه وتفرده. أن تحب إنساناً يعني أن ترفض اختزاله في هويته السياسية أو موقعه في الصراع، لذلك يصبح الحب نقيضاً للعنف: العنف يجرّد الإنسان من فرديته، والحب يعيد إليه إنسانيته، وفي عالم تحاول فيه القوى الكبرى تحويل البشر إلى أدوات أو رموز، تصبح العلاقات الإنسانية الصغيرة شكلاً من أشكال مقاومة هذا الاختزال.
الرواية اليوم
تبدو “آخر رمّان الدنيا” راهنة حتى بعد أكثر من عقدين على صدورها، فالعالم ما زال يعيش الحروب والهجرة والمنفى وأزمات الهوية، وما زال الإنسان يتحوّل في الأخبار إلى رقم أو صورة عابرة، وفي عصر الصورة الرقمية، يصبح سؤال الذاكرة أكثر إلحاحاً، فنحن نشاهد الكوارث لحظة وقوعها، ومع ذلك ننسى بسرعة. تتحوّل المأساة إلى صورة، والموت إلى رقم، والضحية إلى خبر عابر، وهنا تستعيد الرواية وظيفتها الأساسية: إعادة الزمن الإنساني إلى الكارثة، وتذكيرنا بأن وراء كل رقم حياة، ووراء كل صورة ذاكرة، ووراء كل حدث إنساناً كاملاً.
تكمن قوة “آخر رمّان الدنيا” في أنها لا تقدم خلاصاً سهلاً، فهي لا تقول إن التاريخ سينصف الجميع، ولا إن الجراح ستلتئم بمجرد انفتاح أبواب السجون، لكنها تفعل شيئاً أكثر أهمية: تقاوم النسيان.
يخرج مظفر من السجن، لكن العالم لا يمنحه حرية جاهزة. عليه أن يعيد بناء علاقته بالزمن والذاكرة والآخرين، ومن هنا تصبح عودته محاولة لاستعادة الإنسان من تحت أنقاض التاريخ، وإذا كان كافكا قد سأل عما يحدث للإنسان عندما تتحوّل السلطة إلى متاهة، فإن بختيار علي يطرح سؤالاً أكثر التصاقاً بتاريخ منطقتنا: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحوّل التاريخ كله إلى سجن؟ وربما تكمن الإجابة في الرمّانة نفسها: ثمرة واحدة في عالم يبدو أنه فقد خصوبته، لكنها لا تزال تحتوي في داخلها على حبوب كثيرة، كأن الرواية تقول إن التاريخ يستطيع أن يسجن الإنسان، ويشوّه ذاكرته، ويسلبه سنواته، لكنه لا يستطيع، ما دامت الحكاية ممكنة، أن يمنعه من إعادة تخيّل نفسه والعالم من حوله.
