*هل يزعجك أنني تعرفت إليك في عتمة الصالة وأنت تشاهد الفيلم البلغاري (الكرات الزجاجية)؟
**من الصعب الإجابة على هذا السؤال. أنت بالطبع لم تزعجني، ولكنني بطبعي لاأحب أن أتعرف إلى الناس كثيراً. أنت تعرف، قد يكون التعارف شيئاً لطيفاً في البداية، ولكنه يتحوّل فيما بعد إلى كابوس مخيف.
*لا تطيق الجلوس خلف طاولة، بل تحب أن ترى العالم من نافذة سيارتك. سائق السيارة في فيلم (تستمر الحياة) هل هو عباس كياروستامي؟
**لا.. هذه شخصية قريبة مني، ولكنها لا تتطابق معي مائة بالمئة.. ربما هي قريبة فقط.
*هل جاء السائق برفقة الطفلين ليضع خاتمة من نوع ما على غياب الشاعر الصوفي زوهراب سيبهري؟
**لا أستطيع شرح أفلامي بالكلمات، وكل صانعي الأفلام لا يقومون بذلك، ولكن السينما تفرض عليَّ طريقة عميقة في التفكير. على أية حال يجب أن أبدي إعجابي بحساسيتك المفرطة تجاه أفلامي.
*في قصيدته التي استوحيت منها فيلم (أين يسكن الصديق) ثمة مامعناه “سنذهب إلى آخر الدرب”، فيما يقول الطفل المسترخي في المقعد الخلفي، والذي هو في الواقع ابن السائق في فيلم (تستمر الحياة).. إن درباً يؤدي إلى مكان ما لا يؤدي في النهاية إلا إلى درب مسدودة. هل ستبحث بمفردك عن هذه الدرب في جزء ثالث؟
**صانع الأفلام لطالما أضاف من شعوره على أفلامه، وبهذه الطريقة أتعامل مع أفلامي. فيلمي هذا يشبه نصف بناء، وبإمكانك الإضافة عليه وكسوه، وأنا متأكد أن قراءتك للفيلم لا يجب بالضرورة أن تشبه قراءتي له. أنت حر بإضافة ما تشاء على هذا البناء، وكما تعرف إن عنوان الفيلم مأخوذ عن قصيدة زوهراب سيبهري، وهذا احترام وتقدير له.
*ألا يحمل هذا “التصرف” موقفاً سياسياً مبطناً من موت شاعر يشاع أنه قضى في ظروف غامضة عام 1980؟
**من طريقة التفكير العادية، السياسة ليست نفس الشيء الذي تفكرون به، ولكن بالنسبة لي يظل الفيلم الشاعري سياسياً أكثر من الفيلم السياسي ومن السياسة بحد ذاتها. أنا لا أعني بالطبع أن فيلمي شاعري بالكامل، ولكني أرى أحياناً أن الفيلم الشاعري يحمل مدلولات سياسية أكثر، لأن هذا النوع من الأفلام ينفذ في عمق التاريخ ويخترق المشاعر الإنسانية.
*هل لديك ميل للتمسك بالقصص التي تنتهي منها؟
**القصة في فيلمي الأخير لم تنته. وربما الآن سوف أتابعها من جديد.
*هل تقف الآن على بعد خطوتين من “وردة العزلة” التي تخص الشاعر زوهراب، وتظل ترى طفلاً جديداً أمام كل مشروع فيلم تعمل عليه؟
**… أنا كنت أعمل في معهد للأطفال والمراهقين منذ عدة سنوات لذلك أراني مهتماً بعالمهم، وربما تظل هي عودة جميلة لطفولتي. لذلك أنا أقول إن طفولتنا تذهب معنا إلى نهاية الطريق، وإذا ما نظرت خلفك سوف ترى وتتأكد أن طفولتك معك، وستبقى معك.. خصوصاً في بلد مثل ايران له ثقافته وعاداته الاجتماعية.. والوضع لا يتغيّر بسهولة، وهذا يعني إن طفولتنا معنا مثل أطفالنا. ويظل أن الأطفال في بلادنا وبلادكم كما أرى ليسوا أطفالاً عاديين، بل هم أطفال بخلقٍ راشدة.. لذلك لدينا مثل هذه النوعية من الأفلام.
*لديك ميل واضح لتمجيد الحياة. الطفل في فيلم (المسافر) يمسك بكاميرا عباس كياروستامي ليحتفي بوقائع الحياة كما هي مقترحة عليه في الاستاديون الرياضي.. بطل (طعم الكرز) بادي والقبر تحت شجرة يعيد له طعمها شهوة الحياة…هل تعتقد أن الواقع أهم من السينما؟
أرى أحياناً أن الفيلم الشاعري يحمل مدلولات سياسية أكثر، لأن هذا النوع من الأفلام ينفذ في عمق التاريخ ويخترق المشاعر الإنسانية
**السينما هي السينما، والواقع هو الواقع، وليس هناك أي اتصال بينهما، ولكن السينما تحاول اكتشاف الواقع وإعادة تركيبه. والحياة بحد ذاتها ليست مجيدة، ولكنني إذا ما رأيتها بطريقة وردية، فلي أن أمجدّها، وإلا فهي ليست مجيدة كما ترى أنت في سؤالك. على أية حال ليس هناك أي طريق أو فرصة لتختار شيئاً آخر. هذه هي الحياة، وهذه هي الطريقة التي يجب أن نعيش بها. نحن مجبرون على تلميع هذا الحذاء لأننا لا نملك سواه. عندما لا يكون هناك أي طريق إلا المغادرة. في فيلم (طعم الكرز) عرضت الوجه الآخر للعملة، فإذا أردت أن تغادر، فأمامك طريق واحدة، بمعنى أنه إذا أردت أن تغادر، فيجب أن يكون عندك سبباً لتمجيد الحياة وإذا لم ترد أن تغادر، فأمامك طريق واحدة..
*ماهي؟
**الانتحار..!! وأعني هنا أن الطريق الوحيدة هي أن تفتح نافذة حتى تستمر الحياة.
*لهذا ربما قدمت فيلم (تستمر الحياة) على شكل ريبورتاج عن زلزال واقعي (ضرب إيران عام 1990)؟
**بالتأكيد عملت الفيلم على شكل ريبورتاج، فهذا الفيلم لم أصنعه أنا، بل الناس الذين نجوا من الزلزال هم الذين صنعوه. كلهم ساعدوني في صنع هذا الفيلم، لأنهم يريدون تجاوز هذه الكارثة والاستمرار بالحياة. عندي فيلم آخر بعنوان (افريقيا أ ب س)، وهو قريب في بنيته من فيلم (تستمر الحياة)، لأنك سوف تجد أن كارثة الإيدز في إفريقيا تحصد أرواحاً أكثر من عشرات الزلازل، وسوف تشاهد أيضاً في هذا الفيلم حب الناس للحياة وتمجيدهم لها إن شئت.
**في الواقع كاميرتنا تسجّل الحياة، ومن أسف أنه في أغلب الأفلام ترى أغلب المخرجين يقتلون اللحظات الواقعية في الحياة، بهدف تزويرها، ولأنني حيٌّ وأمثل كمبدع كل البشر الذين هم على قيد الحياة، سوف أظل أعيد جمع النتف التي أراها في هذا السياق وتركيبها من جديد كلما سنحت لي الفرصة.
*ربما لهذا ظهر الشاب وهو يحاول تركيب “هوائي” التلفزيون ليشاهد مباراة كرة قدم في فوضى الزلزال المدمر؟!
**تماماً…
*بعد فوزك بسعفة كان الذهبية عن فيلم (طعم الكرز) استقبلك المحافظون المتشددون في إيران بالبندورة الفاسدة، لأن كاترين دونوف قبّلتك وهي تسلمك الجائزة.. هل يتعاطون في إيران مع أفلامك بنفس الطريقة؟
**أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن لديك، لأنكم تعيشون نفس الظروف.
*لماذا؟ لو قبلتني كاترين دونوف لن يرميني أحد بالبندورة!!
**(يضحك) هذا يعني أن الأوضاع عندنا أصعب من أوضاعكم. عندنا الحياة صعبة، وكي تكون ناجحاً في بلادنا، عليك أن تتحمّل المتاعب. وأنا أرى أن أفضل طريقة هي أن أفكر بالمزيد من المشاريع والأفلام.
*على أي حال لن يرميني أحد بالبندورة لأنني لست مشهوراً مثلك!
**الشهرة ومشاكلها، اذ يبدو لي أن الشهرة في الشرق الأوسط شيء كابوسي لصاحبها، وبوذا هو من قال إن الرجل الحكيم لايلمع، ونحن نعيش في هذا الجانب من العالم.
*لذلك تحب عتمة الصالة؟
**نعم (يضحك)…
*قلت ذات مرة أن أهل النظام السياسي في إيران بدأوا يستسيغون أفلامكم ويكتشفون سحر السينما.. القاضي المتشدد سمح لك بتصوير مشهد المحكمة في فيلم (كلوز- أب) لأنه مغرم بأفلام محسن مخملباف..
**لدي نفس الفكرة التي كتبت على صيغة سؤال. حتى المتدينون مهتمون بمشاهدة وجوههم في السينما، وأنا قلت سابقاً إنهم اكتشفوا سحر السينما بعد الثورة، لأنها كانت محرّمة بالنسبة إليهم قبلها، فهي إباحية وتبحث عن العنف، والآن بعد الثورة تغيّر الوضع، ولذلك هم يستمتعون بمشاهدة وجوههم وشخصياتهم ونمط معيشتهم في السينما..
*بعد أن خلقت السينما الإيرانية مؤلفيها وموضوعاتها.. ألا تعتقد أن تكرار (أفلام الأطفال) قد توصلها إلى درب مسدودة؟
**الأطفال في المجتمع هم غالبية السكان، ولقد شاهدنا الفيلم السوري (قمران وزيتونة)، وكان رائعاً، وقد استخدم فيه المخرج الأطفال. وهو بذلك كان يكشف بطريقة وأسلوبية ناجحة عن علاقات اجتماعية في تاريخ سوريا المعاصر.
ويظل سوء توظيف الموضوع أياً كان، هو الأساس، سواء أكان الفيلم للأطفال أو للنساء.. على أية حال هذه النوعية من الأفلام بدأت تتناقص في إيران وبدأ المخرجون يتوجهون نحو تيمات أخرى.
*تنتج إيران حوالي 80 فيلماً في العام.. ألا يريد النظام السياسي في إيران مقابل توفير هذا الدعم للسينما الإيرانية دعاية له؟
**لا أعتقد هذا.. ولكن الدعاية تظل دعاية للأمة الإيرانية. نحن نحاول أن أن نعرّف الوجه الآخر للعملة الذي أصبح مثل كليشه في العالم. وحتى الدولة الإيرانية سوف تحصل على إيجابيات من هذا الإنتاج الوفير، وبالنسبة لي يظل الشعب أكثر أهمية، خاصة وسائل الإعلام الغربية تحاول تنميط كليشيهات أخرى عن الشعب الإيراني، ونحن نبرز الوجه الآخر من خلال ثقافة وحضارة الأمة الإيرانية.
*أكيرا كوروساوا تحدّث في حياته الطويلة عن جان رينوار وجون فورد فقط.. وبعد صمت نصف قرن، عاد للحديث عن ساتياجيت راي وعباس كياروستامي.. أين تجد نفسك بعد هذه المقارنات؟
**كلماته كانت مؤثرة جداً، وهو عندما أشار لي بإصبعه ترك أثراً كبيراً في نفس، وأنا في ذلك الوقت الذي تحدّث فيه عن أفلامي كنت أحس بالضعف، ولم أستطع فعل شيء. على أية حال هذا النوع من التمجيد لن يغيّر من أسلوبي.
*كيف تتعامل مع الممثلين خاصة إذا كانوا أطفالاً.. هل ينفرون منك أحياناً؟
**أفضل طريقة هي ألا ندمر حياتهم الخاصة والطريقة التي يعيشون بها، لذلك أنا أبحث عن أنسب طفل للشخصية التي أريدها، وأنا لا أحاول أن أغيّر من طبيعتهم، بل أحاول أن أغيّر أفكاري ونظرتي لهم.
*قلت ذات مرة الأفلام تخرج من القلب ويجب أن تشاهد من القلب. لو رأينا أفلامك بعقولنا ماذا سيحدث؟
**أنا لم أقل هذا. هذا القول لكوروساوا..!!
*لكن وسائل الإعلام تناقلته منسوباً إليك؟!
**أنا أعتقد أن العقل لا يجب أن يعمل بعيداً عن القلب، فأي تضارب بينهما لن يكون جيداً، ولذلك ليس هناك أي اختلاف بينهما إذا كنت مهتّماً بالتعبير عن الأفلام.
*يبدو أن الغرب فشل في بحثه عن مخرجين معارضين بينكم، ولهذا خفت حماسه اتجاهكم في الآونة الأخيرة.. فيلم (قندهار) لمحسن مخملباف منع من قبل عمدة مدينة فرنسية تستضيف مهرجاناً سينمائياً.. ألا يمثل هذا تراجعاً غربياً عن دعم أفلامكم؟
**أنا متأكد أن الفيلم عرض في فرنسا أو سيُعرض، وأنا عندما كنت في باريس قبل مدّة كان قد بدأ عرض الفيلم في إيطاليا.
*هل لا يزال -إذن- الغرب مولعاً بالسر الإيراني خاصة بعد أحداث 11 أيلول 2001؟
**بالتأكيد أحداث نيويورك سوف تغيّر الكثير من الأشياء في العالم وهذه حقيقة، ولكني متأكد أن هذا لن يغيّر من طبيعة هذه الأشياء بسهولة. أما أنا فسأنتظر وأشاهد وأترقب ما الذي سيحدث؟!
*تبني النمساوي وزوجته الأوغندية للطفلة التي ترتدي “تي شيرت” عليه حروف “أ ب س” والسفر بها في الطائرة.. هل يمثل تخلياً طوعياً من قبل العالم المتحضر عن القارة السوداء وتركها لمصيرها الغامض والمجهول؟
**كصانع للفيلم لا أعرف ما الذي حلَّ بالطفلة، ولكن خلال إقامتي في أوغندا سمعت الكثير عن الدعم الذي تقدمه الدول الأوروبية لمكافحة الإيدز، وسمعت أيضاً إن هذا الفيروس تم تطويره وإهدائه لإفريقيا كوسيلة للحد من تزايد السكان.
*في نهاية الفيلم استخدمت مقاطع من موسيقى كلاسيكية.. ولطالما انتقدك المحافظون مراراً لاستخدامك هذا النوع من الموسيقى بوصفها بدعة غربية.. ألا يزال الوضع على حاله؟!
**لا يمكن تغيير المحافظين بسهولة في إيران، فهم وظّفوا كل طاقاتهم للمحافظة على مكتسباتهم.. وتظل الموسيقى الكلاسيكية مثل السماء ليس لها حدود، ولا تنتمي إلى أي بلد..!!
*حوار نشر في جريدة الحياة اللندنية في حينه، وفي كتابي (عباس كياروستامي: فاكهة السينما الممنوعة) 2002
