الثلاثاء, 7 أبريل 2026

في فضاء مكتبة جامعة ليدز “بروذرتون”، لا يبدو الدخول فعلاً عادياً بقدر ما هو انتقالٌ هادئ من سطح العالم إلى عمقه. عبر الأبواب الزجاجية، يخلع الزائر طبقةً من الواقع، ليدخل إلى عالمٍ أكثر صمتاً وأشدّ التباساً. هناك، لا تبدو التجربة مجرد بحثٍ عن المعرفة، بل تحوّلاً في موقع الذات: من قارئٍ إلى موضوعٍ للقراءة.

تتشابه الأروقة إلى حدّ يربك الإحساس بالاتجاه، وتمتدّ الرفوف كأنها بلا نهاية. كل طابق يحمل احتمالاً مختلفاً للعالم، وكل ممرّ يفتح على صيغةٍ جديدة من الوجود. في هذا السياق، تصبح الحركة داخل المكتبة أقرب إلى التجوال في حلمٍ مألوف، لكنه يظلّ محلّ شكّ دائم.

مبنى جامعة ليدز Foto: Mitra Farhan

النوم على الإلياذة.. والسيف

يطرح هذا الفضاء سؤالاً أساسياً: هل تفصلنا حدودٌ حقيقية بين الأشياء، أم أننا نعيش ضمن تداخلٍ خفي بين ما نراه وما نتخيّله؟ يبدو الواقع، في هذا الإطار، أقلّ صلابة مما نحتاج، كأنه حالة مؤقتة قابلة للتبدّل، لا حقيقة ثابتة. الأسئلة، بدورها، لا تصل في وقتها، بل تتأخر، وكأنها تولد مع طرحها.

كما في تأملات خورخي لويس بورخيس في سبع ليالٍ، لا تفصل الكتب بين الحلم والعالم، بل تمحو الحدّ بينهما. كان الإسكندر ينام على الإلياذة وسيفه، كأن القصيدة كانت تحلم به بقدر ما كان يحلم بها. هناك، حيث تتجاور القراءة والقتال، يصبح الحلم تمريناً على الفعل، ويغدو النص قدراً يُعاش لا حكاية تُروى.

تتحوَّل الأسئلة من كونها تأملات نظرية إلى إشكاليات وجودية: هل يحلم الإسكندر بالإلياذة أم يقاتلها؟ وأيّهما يحرس الآخر؟ في ضوء هذا التداخل، تعود المكتبة لتُقرأ بوصفها فضاءً رمزياً، لا مكاناً مادياً فقط. الدخول إليها يصبح استجابة لنداء قديم، لا بداية له ولا نهاية.

كل كتاب في هذا الفضاء ليس مجرد نص، بل احتمال. وكل احتمال هو ممر، وكل ممر يقود إلى ما يشبهه، لا إلى ما يطابقه. وحين تمتد اليد نحو كتاب، يتغيّر شيء غير مرئي. كأن المكان يعيد ترتيب نفسه حول القارئ، أو كأن الفرضية الأعمق هي أن النص هو الذي يقرأنا.

يتحوّل السؤال المركزي: من يقرأ من؟
لا يعود القارئ هو الفاعل الوحيد، بل يصبح النص كياناً يفتح الذات ويعيد تشكيلها. العين، في هذه الحالة، لا تعمل كأداة للرؤية فحسب، بل كموقعٍ للانكشاف، كمرآة لا تعكس وجهاً، بل احتمالاً للذات.

مكتبة ليدز “بروذرتون” Foto: Mitra Farhan

المنفى كحالة داخلية

في هذا المستوى، يظهر التردد بوصفه عنصراً جوهرياً. لا يوجد يقين حاسم، بل مسارات متعددة تتقاطع وتفترق. يمرّ شخص يشبهنا، يحمل كتاباً، ثم يختفي. أتبعه، لنجد أنفسنا نبدأ من جديد داخل المتاهة نفسها. وهكذا، لا تُضلّ المتاهة بقدر ما تعيد تشكيل من يدخلها.

كل منعطف يفتح احتمالاً جديداً، وكل قرار يخلق حياةً لم تُعش لكنها ممكنة. هنا، يتخذ مفهوم الاختيار بُعداً جديداً: هل نختار فعلاً، أم أننا نتحقق من احتمالات موجودة مسبقاً؟ وهل الكتب تحفظ الذاكرة، أم تعيد إنتاجها؟ وهل التاريخ، في جوهره، إلا سردية جماعية اتفقنا عليها؟

في الليل، حين تمتزج الحروف ويخفت الضوء، لا يصبح الغياب نقيضاً للحضور، بل شكلاً آخر منه. العتمة لا تنفي النور، بل تتيح له أن يُرى بوضوح مختلف. والمنفى، في هذا السياق، لا يُفهم كمكان جغرافي، بل كحالة داخلية من التأخر عن الذات، من عدم الوصول الكامل إليها.

نستمر بحمل القليل، ونسمّي ذلك استمراراً. وفي نهاية هذا المسار، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نواصل السير داخل الغموض، أم نحاول الهروب منه؟

في لحظة النهاية، يصل القارئ إلى باب. بابٌ مغلق. يضع يده عليه، ويتردد. لا يكون الخروج واضحاً كما كان الدخول. يعود إلى الداخل، إلى مكانٍ يشبه وسادة، كمساحةٍ للتأمل والاستعادة.

هناك، يضع رأسه، ويستحضر صورة السؤال: كتاب أم سيف؟ ثم، دون حسم، يضع الاثنين معاً. لا يحدث شيء استثنائي، لكن العتمة لم تعد صامتة كما كانت. يمرّ شعاعٌ خافت بين الحرف والحدّ، بين المعنى والإمكانية.

وربما، في نهاية المطاف، يكمن المعنى في هذا القدر من الضوء.

اترك تعليقاً

Exit mobile version