الأربعاء, 25 فبراير 2026

مع انتهاء فعالياته أمس السبت يؤكد مهرجان غوتنبرغ السينمائي، عاماً بعد عام، مكانته بوصفه الحدث السينمائي الأهم والأبرز في دول الشمال الأوروبي، ومنصّة ثقافية جريئة تتجاوز حدود العرض السينمائي إلى فضاء أوسع من الحوار والوعي الإنساني، فالمهرجان لا يكتفي بالاحتفاء بالفن السابع بوصفه صناعة أو ترفيهاً، بل يرسّخ دوره كمنبر للأصوات المختلفة، ومرآة تعكس تعقيدات العالم المعاصر وقضاياه الملحّة.

قضايا الهجرة والحروب

وتتجلّى خصوصية مهرجان غوتنبرغ في انفتاحه على تجارب سينمائية آتية من جغرافيات وثقافات متعددة، حيث يمنح مساحة متكافئة لأفلام تعالج قضايا الهوية، والعدالة، والذاكرة، والصراع، والإنسان في لحظات هشاشته القصوى. وقد برز ذلك في برمجة أعمال تتناول أزمات إنسانية معاصرة، من بينها أفلام تسلّط الضوء على الواقع الفلسطيني ومعاناة غزة، إلى جانب قضايا الهجرة، والحروب، والاستعمار الجديد، وتداعيات العنف على الأفراد والمجتمعات.

هذا التوجّه يجعل من المهرجان منصّة أخلاقية بقدر ما هو منصّة فنية، حيث تُقدَّم السينما كأداة لفهم العالم لا كوسيلة للهروب منه. فالأفلام المعروضة لا تُقاس فقط بجمالياتها الفنية، بل بقدرتها على مساءلة السائد، وكسر الصمت، وإيصال أصوات غالباً ما تُهمَّش في المنصّات التجارية الكبرى.

مساحة حيّة

وإلى جانب ذلك، يواصل مهرجان غوتنبرغ لعب دور محوري في دعم السينما النوردية، من خلال اكتشاف مواهب جديدة وتكريم أسماء راسخة، فضلًا عن جوائز Dragon Award التي باتت معياراً مهماً للجودة الفنية والجرأة الفكرية في المشهد السينمائي الأوروبي. كما يمنح الجمهور دوراً فاعلاً في التجربة السينمائية عبر نقاشات مفتوحة ولقاءات مباشرة مع صنّاع الأفلام، ما يعزّز الشعور بأن السينما هنا فعل جماعي ومسؤولية مشتركة.

بهذا الزخم الفني والإنساني، يثبت مهرجان غوتنبرغ السينمائي أنه ليس مجرد حدث سنوي، بل مساحة حيَّة للتفكير والتلاقي، وجسر يربط شمال أوروبا بقصص العالم، ويؤكد أن السينما قادرة، حين تُمنح الحرية، على الدفاع عن الإنسان أينما كان.

هنا قائمة بأهم جوائز المهرجان:

الملاذ الأخير

توّج فيلم “الملاذ الأخير”للمخرجة ماريا سودال بجائزة Dragon Award لأفضل فيلم نوردك، وهي الجائزة الأهم في المهرجان. يروي الفيلم قصة عائلة دنماركية تبدأ عطلتها الحلمية في منتجع فاخر، قبل أن تتكشف تدريجياً تصدّعات الواقع، لتطفو على السطح أسئلة أخلاقية معقّدة حول المسؤولية، والتعاطف، والامتيازات الاجتماعية.

تبلغ قيمة الجائزة 400 ألف كرونة سويدية، بدعم من إقليم فيسترا يوتالاند ومدينة غوتنبرغ. وتَسلَّم الجائزة كل من المنتجين توماس روبساهـم وسيغورد ميكال كاروليـوسن، والمخرجة ماريا سودال، والممثل إسبن سميـد، والمنتجة هيلينا دانييلسون.

قرار لجنة التحكيم

اعتبرت اللجنة أن الفيلم يجرؤ على مواجهة أحد أخطر الأسئلة الأخلاقية والسياسية في عصرنا، في زمن تتزايد فيه النزعات الإقصائية وتُطبع القسوة تجاه «الآخر». وأشادت اللجنة بالأداء التمثيلي الدقيق، والسيناريو الحاد الخالي من العاطفية الزائفة، معتبرة الفيلم مرآة قاسية تكشف تواطؤنا الصامت مع القسوة المعاصرة.

ويُذكر أن لجنة التحكيم ضمت أسماء بارزة، من بينهم المخرج جوشوا أوبنهايمر (رئيساً)، والمصوّرة ليـا بويسن، والمخرجة سانا لينكن.

جائزة أفضل تمثيل: آدم لوندغرين

فاز الممثل السويدي آدم لوندغرين بجائزة Dragon Award لأفضل أداء تمثيلي عن دوره في فيلم (مُربّي النحل) للمخرج ماركوس كارلسون. وقد أشادت اللجنة بقرارها بأدائه العميق الذي يجسّد الشوق والفقدان، حيث يحمل الصمت وزناً أكبر من الكلمات.

جائزة سفين نيكفيست للتصوير السينمائي

ذهبت جائزة Sven Nykvist Cinematography Award إلى المصورة لويز ماكلولين عن تصويرها لفيلم (وزن أقل)، لما تميَّّز به من حس بصري حميمي يكشف الرغبات الخفية للشخصيات بدقة شاعرية.

جائزة النقاد (FIPRESCI)

نال فيلم (وزن أقل)للمخرجة إميلي تالوند جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما (FIPRESCI). ويتناول الفيلم قصة مراهقة في مخيم صيفي، حيث تتلاشى الحدود بين الإعجاب والاستغلال، في معالجة إنسانية لقضايا الجسد، والصداقة، والاعتداء.

جائزة الجمهور لأفضل فيلم نوردك

حصد فيلم (مُربّي النحل)للمخرج ماركوس كارلسون جائزة الجمهور، وتسلَّمها فريق العمل بحضور الممثل آدم لوندغرين.

أفضل فيلم وثائقي نوردك

فاز فيلم «أول شخص أسمر على القمر»للمخرج إيفان بلانكو بجائزة Dragon Award لأفضل فيلم وثائقي نوردك.
وأثنت اللجنة على الفيلم لصدقه الإنساني وجرأته في تقديم صورة حساسة عن الحياة بعد فقدان الشهرة، مع إتاحة مساحة نادرة لتلاقي الهشاشة والرجولة.

جائزة إنغمار برغمان الدولية للأفلام الأولى

ذهبت جائزة Ingmar Bergman Debut Award إلى فيلم (بشرى)للمخرجين مريم بناني وأوريان باركي، وهو عمل هجين يجمع بين الوثائقي والرسوم المتحركة، ويتناول الهوية والعائلة والرغبة بروح تجريبية محبة.

جوائز أخرى بارزة

  • أفضل فيلم دولي (تصويت الجمهور): (شارع مالقة) – إخراج مريم توزاني
  • جائزة لجنة الشباب: (ظلُّ أبي) – إخراج أكينولا ديفيس الابن
  • جائزة Draken Film Awardلأفضل فيلم قصير سويدي: (أنا والعمّْ علي) – إخراج شهاب مهرابي

كما شهد المهرجان توزيع جوائز تكرلايمية فخرية لكل من المخرجة أغنييشكا هولاند والممثلة نومي راباس، إلى جانب جوائز Startsladden والجوائز التقنية.


اترك تعليقاً

Exit mobile version