في الفيلم الوثائقي (بيبسي في مواجهة كوكاكولا) اختصار كبير لمغزى الحروب الفعلية التي تنشأ بين الشعوب نفسها، فكم سيبدو مريعاً بحق البشرية حين يكتشف المشاهد أن هذه المواجهات بين امبراطوريات المياه الغازية نشأت أساساً من مسلّمات الحرب والدمار، فعلى أنقاض الحرب الأهلية الأميركية كانت أتلانتا عاصمة الجنوب على موعد مع ولادة كوكاكولا على يد الدكتور جون بندرتون عام 1886، وهي تتحوّل من أرض زراعية إلى مجتمع حضري وصناعي، حتى يمكن القول إن الجنوب سيشهد من الآن فصاعداً على حرب ستستمر مئة عام، وقد جرى تعيين الأدوار فيها منذ البداية، إذ بدا واضحاً أن بيبسي كولا التي كانت في موقف أضعف وأنشئت بعد ثماني سنوات في ولاية كارولاينا الشمالية على يد صيدلاني اسمه كيلي بنبراتام، وستمهّد لولادة طعم الجيل الجديد الذي سوف يفسح المجال أمام “أسعد معركة في تاريخ البشرية”. وان كان الأميركيون مغرمون بإطلاق مثل هذه الأوصاف، فلأن طرفا المواجهة العملاقين لا يريدان في الواقع القضاء على المنافسة بينهما. (حرب الكولا) مفيدة لكليهما يقول مؤلف كتاب عن الوطن والكوكا كولا، فالمرء يحتاج عدواً في أغلب الأحيان، ومن بعض النواحي يصبح من العار أن يربح أحدهما. صحيح أن هذه الحرب تبدو “مسلية ورائعة”، وتُستهلك مليار مرة يومياً، وتغرق العالم بالإعلانات وبأرباح تتعدّى 20 مليار دولار سنوياً مع جيش من الموظفين يبلغ تعداده 100 ألف موظف، إلا أنها لا تدفع طرفاها مطلقاً للحديث عن صراع قرن كامل بينهما، وهمهما الأساسي أن يتحوّلا من مجرد مشروب غازي إلى رمز لأميركا. ولكن ماذا عن علاقة الصودا بالفقر والحروب، ففي حين تحوّلت كوكا كولا الى رمز للجنوب المنبعث من رماد الموت، أصبحت بيبسي كولا رمزاً للسود والفقراء في الثلاثينات إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى. وبعد أن قام اليابانيون في الحرب العالمية الثانية بقصف ميناء بيرل هاربر تحولت الكوكاكولا إلى مشروب لرفع المعنويات، حتى أن البعض رفع شعار “نقاتل من أجل كوكاكولا وشطيرة همبرغر”. يغرق الفيلم في تخييلات من نوع أن الجنود الأميركيين يحررون العالم، وهم يشربون الكوكا كولا، وجرى في هذه الأثناء إيجاد 60 مصنع للتعبئة في دول عديدة بهدف إمداد هؤلاء المقاتلين بالمزيد من مشروبات السعادة. يغيب عن الفيلم الأخصائيون النفسانيون وعلماء الاجتماع، مع حضور قوي لمؤلفي الكتب الاستهلاكية وصانعي الإعلانات والمروّجين الذين يكتفون بتفنيد شائعات المخدر في كوكا كولا مثلاً، بالرغم من تأكيد سحب الكوكايين منها عام 1903، بعد اعتبارها “المشروب الآثم” الذي يخترق حجب الثقافة الشعبية الأميركية. فيلم ” بيبسي في مواجهة كوكاكولا ” صورة عن نوع من الحروب التي تشكّل أيضاً صورة أميركا “النقية” كما يراها “جنرالات” هذه الحروب، وهم يبحثون عبر التلفزيون عن دعايات مجيدة لها، كأن يكون هذا الفيلم واحداً منها.
التالي خضر سلفيج – شاعر
المقالات ذات الصلة
تواصل معنا
إشترك الآن
إشترك الآن في مجتمع الكوميونيتا.. و احصل علي كل ما يهمك عن السويد بالعربية
جميع الحقوق محفوظة © 2026 الكوميونيتا. التطوير OCTET CARBON LTD.
