تُعيد مقولة ترامب حول اعتقال نيكولاس مادورو، بوصفها “مشاهدة برنامج تلفزيوني“، تسليط الضوء على إشكالية معاصرة تزداد تعقيداً: تلاشي الحدود الفاصلة بين الواقع الصلب والفضاء الافتراضي التلفزيوني. حين يصف أقوى رجل في العالم حدثاً جيوسياسياً زلزالياً بلغة “المشاهد“، فإنه لا يكتفي بالتعبير عن صدمته، بل يجسد ذروة “مجتمع الاستعراض” الذي تنبأ به علماء الاجتماع، حيث تتحوّل الأحداث المصيرية إلى “محتوى” بصري معدّ للاستهلاك والمتابعة السلبية.
لقد توغّل التلفزيون، في نسيج المجتمعات الحديثة لدرجة أنه لم يعد مجرد ناقل للواقع، بل أصبح هو “الواقع“. عندما يُشبّه زعيم سياسي اعتقال رئيس دولة ببرنامج تلفزيوني، فإنه يعكس كيف تمكنت الشاشة من “تسطيح” مآسي الشعوب وتحويل الصراعات الكبرى إلى مجرد لقطات درامية تُقاس بمدى إثارتها البصرية لا بتبعاتها الإنسانية. هذا النوع من الخطاب يعزز حالة من الانفصال الشعوري لدى المجتمعات، فالمشاهد لم يعد يشعر بوطأة الحدث وتأثيره المباشر، بل ينتظر “الحلقة القادمة” بشغف المتفرج لا بوعي المواطن المتأثر.
إن خطر هذا الخلط يكمن في تحوّل السياسة العالمية إلى “تلفزيون واقع” ضخم، حيث تصبح العدالة، والحروب، والاعتقالات، مجرد سياقات ترفيهية تفقد قيمتها الأخلاقية أمام بريق الصورة. في نهاية المطاف، تعكس جملة ترامب حقيقة مريرة: في العصر الحديث، إذا لم يكن الحدث “تلفزيونياً” فإنه لا يبدو واقعياً بما يكفي، مما يجعل المجتمعات أسرى لشاشات تُعيد صياغة إدراكنا للعالم وفقاً لزوايا التصوير والمونتاج.
