تولد الأسطورة أحياناً من رحم الشقوق والتصدعات التي تصيب الكيانات الكبرى، فحين تتداعى الإمبراطوريات العظمى وتتآكل من الداخل تحت وطأة الصراعات والضغوط، تلمع فرصة الدول الصغرى للظهور والتأسيس. هكذا بزغت مملكة “كومجين” القديمة في الممر الإستراتيجي الفاصل بين العمالقة، نبتةٌ نبتت في الفراغ السياسي الذي خلفه انهيار إرث الإسكندر الأكبر، وتأرجحت طويلاً في المسافة الحرجة بين نفوذ الرومان غرباً والبارثيين شرقاً. لم تكن القوة العسكرية المباشرة هي سر صمود تلك الدولة الصغرى في قلب إعصار الحروب المتواصلة، بل كانت سياسة “التوازن الدقيق“، نسيج محبوك من المصاهرات والتودد الحذر، لا عداءَ مطلقاً لأحد، ولا ولاءَ كاملاً لجهة.
مجمع الآلهة
لكن المأزق الأكبر للدول الصغرى لا يكمن دائماً في حجمها Geographically، بل في خطورة موقعها حين تغدو مجرد ممر إستراتيجي بين طموحات العمالقة. ولتثبيت أركان ملكه وتوحيد شعبه المنقسم بين هويات وإثنيات متعددة، لجأ الملك “أنطيوخوس” إلى هندسة هوية جامعة تُحفر في الصخر. لم يجد أفضل من قمة جبل “نمرود” الشاهقة –التي تعلو السحاب وتطل على وادي أديمان– ليدشن عليها حظيرة قدسية وهيكلاً مهيباً. بلغة الصخر الصلب، دمج الملك الأنساب الإغريقية بالفارسية، وصنع مجمعاً للآلهة يحمل أسماء ثنائية تجمع بين العوالم المختلفة، ولم يتوقف الطموح عند ذلك، بل صوّر الملك نفسه في النقوش وهو يصافح الآلهة نداً لند، نفيراً عن الغرور السياسي ومحاولة صريحة لاكتساب شرعية مطلقة تجعل من شخصه امتداداً للرمزية العقائدية والسياسية للبلاد.
جبل الأسرار
أراد الملك أن يكتب دستوره التخليدي في الأحجار الكريمة والمقابر المغلقة، وحصّن مدفنه فوق القمة بتل هائل من الحصى، حتى صار الجبل سدّاً دفاعياً بذاته، كلما حاول باحث أو طامع أن يحفر فيه، انهارت عليه الحجارة المسحوقة لتغلق الباب مجدداً، وهكذا، رغم تطور أدوات البحث والتقنيات الحديثة عبر العصور، وظهور رحالة وعلماء كرّسوا عقوداً من أعمارهم للوصول إلى سر الحجرة الجنائزية، ظلَّ الجبل متمسكاً بسره، ومحققاً أمنية صاحبه في ألا يُفتح قبره أبداً.
اضمحلال الدولة بقرار إداري
غير أن التاريخ يعلّمنا أن السياسة المبنية على مجرد كسب الوقت لا تضمن النجاة الأبدية إذا لم تُترجم إلى قوة ذاتية حقيقية. حين قررت الإمبراطورية الرومانية حسم ممر الفرات، لم ينفع التوازن القديم، وسقطت المملكة بين عشية وضحاها دون أن تشهد حتى معركة حقيقية. تجرّعت الدولة مرارة التلاشي بقرار إداري ورسالة ذريعة واحدة، وسقط العرش من غير أن يستبسل الشعب في الدفاع عنه، لأن السلطة اعتمدت لقرون على تحالفات الخارج وشكليات الهوية بدلاً من بناء مجتمع قادر على الصمود الميداني.
الخطر الأكبر على الأوطان لا يأتي دائماً من الغزو الخارجي، بل من التصدعات الداخلية التي تجعل البلاد ساحة سهلة للتدخل
فاتورة السقوط
وكان المشهد الأشد إيلاماً في هذه الحكاية التاريخية هو المصير المفارق: نُقل الملك وعائلته إلى العاصمة الإمبراطورية الرومانية ليكملوا حياتهم في رغد ونعيم وحفاوة، بل وحصل الأحفاد لاحقاً على أضرحة ومقامات تكريمية في عواصم الفن والحرية، بينما دفع الشعب الأعزل فاتورة السقوط، واختفت أسماؤهم في سجلات المحافظات الإمبراطورية. لقد تبيّن بوضوح أن مصلحة السلالة الحاكمة لم تكن مطلقاً هي ذاتها مصلحة الوطن، وأن الملوك قد ينجون بأنفسهم وبأسمائهم بينما تغرق البلاد وتزول.
دروع غير واقية
اليوم، غمرت مياه السدود العاصمة القديمة للمملكة تحت بحيرة صناعية، فباتت القصور والشوارع تحت رحمة المياه، في حين تساقطت الرؤوس الحجرية للملوك والآلهة جرّاء الزلازل، لترقد على منحدَرات قمة “نمرود” تحت السحاب. لقد صنعت الطبيعة مشهداً درامياً تحوّل فيه الخراب ذاته إلى مصدر دهشة وإلهام للعالم، وصار الحديث عن هذه الأنقاض أبلغ من الحديث عنها يوم كانت قائمة.
تستقر تجربة “كومجين” في الذاكرة المعاصرة لتقدم دروساً جيو–سياسية لا تنتهي، أولها أن الخطر الأكبر على الأوطان لا يأتي دائماً من الغزو الخارجي، بل من التصدعات الداخلية التي تجعل البلاد ساحة سهلة للتدخل، وثانيها أن الدبلوماسية وسياسات التوازن ليست دروعاً واقية بذاتها، بل هي مجرد مهلة زمنية يُفترض أن تُستَّغل لبناء القوة والمنعة الداخلية. وأخيراً، أن الأسطورة والرموز وإن خلّدت الملوك على قمم الجبال، فإنها لا تحمي الشعوب حين تُغرقها مياه السياسة وتتغيّر معادلات القوة.
