من خلال متابعتي لأرشيف المقالات والقراءات التي تناولت، في الصحافة الإنجليزية، أسئلة الأدب وتحولاته الراهنة، استوقفني مقال للناقد ستيوارت جيفريز نشرته “الغارديان” في 18 فبراير/شباط 2024، حول كتاب أزمة السرد للفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ-شول هان.
لم يكن ما استوقفني في المقال مجرد الكتاب أو تشخيص هان للتحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في علاقتنا بالحكاية، وإنما السؤال الذي بدا لي كأنه يتوارى خلف أطروحته كلها: ماذا يحدث للحكاية حين تتغيّر الشروط التي كانت تجعلها تجربة إنسانية؟
ينطلق هان من ملاحظة تبدو بسيطة، لكنها شديدة الدلالة: كنّا رواة، أما اليوم فنحن نتحوّل إلى ما يسميه، في لعبة لغوية لافتة، “بائعي قصص”. لم تعد الحكاية مجرد وسيلة نصل بها إلى الآخرين أو نعيد بها ترتيب ذاكرتنا، وإنما أصبحت شيئاً ننتجه عن أنفسنا، ونعرضه ونشاركه ونكيّفه وفق القواعد التي تفرضها المنصّات الرقمية. الشاشة حلّت، في تصوره، محل الموقد الذي كانت تجتمع حوله الحكايات، وتحوّلت الحياة نفسها إلى مادة قابلة للنشر والتداول والاستهلاك.
منطق الكفاءة
من “إنستغرام” إلى تطبيقات الصحة، ومن صور العطلات إلى منصّات المشاهدة، يرى هان أن التجربة الإنسانية أخذت تُجزّأ إلى وحدات صغيرة قابلة للعرض والقياس والمشاركة. حتى الذهاب إلى الطبيب، يلاحظ جيفريز مستنداً إلى هان، لم يعد بالضرورة مساحة يروي فيها المريض قصته بلغته الخاصة، إذ يمكن أن تختزل أعراضه في خانات محددة ينبغي أن يضع علامة أمامها. السرد، في هذه الحالة، يصطدم بمنطق الكفاءة. لكن ما يقوله هان يفتح، في رأيي، على سؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها.
لم تعد الأزمة الكبرى في العالم الرقمي هي غياب المعنى، بل الطريقة التي يتآكل بها المعنى نفسه من دون ضجيج. فهو لا يختفي فجأة، ولا يُعلَن موته، بل يتراجع ببطء، حتى يصبح أثراً باهتاً لما كان عليه، وما يبدو لنا اليوم وفرةً في المعلومات، واتساعاً في إمكانات التواصل، يخفي تحوّلاً أعمق يمس التجربة الإنسانية نفسها: طريقة شعورنا، وإدراكنا لذواتنا، وعلاقتنا بالزمن والآخرين.
يمكن أن تخبرني في جملة أن رجلاً ينتظر شخصاً لن يعود، لكن الرواية العظيمة تستطيع أن تجعلني أنتظر معه عشرات الصفحات.
ترتيب العلاقة
ولعلَّ هذا ما يجعل من الضروري النظر إلى الثورة الرقمية لا بوصفها ثورة في الأدوات فحسب، وإنما بوصفها ثورة في الوعي، فهي لا تغيّر فقط ما نستخدمه، بل تعيد تشكيل الطريقة التي نرى بها العالم ونختبره. إنها تعيد ترتيب علاقتنا بالانتباه والذاكرة والانتظار، وحتى بما نعدّه جديراً بأن يُعاش ويُروى.
ومن هنا تصبح أزمة السرد جزءاً من أزمة أوسع: حين يتغيّر وعينا بالزمن، تتغيّر بالضرورة الطريقة التي نحكي بها حياتنا ونفهم بها تجاربنا، فالحكاية ليست مجرد أحداث مرتّبة، وإنما هي طريقة الإنسان في أن يمنح الأحداث زمناً ومعنى، وأن يصل الماضي بالحاضر، ويفتح منهما إمكاناً للمستقبل.
ولهذا فإن الخطر لا يكمن في أن تختفي الحكايات، بل في أن تصبح وفرتها نفسها عائقاً أمام أثرها، أن نعرف كل شيء تقريباً، وأن نمرّ على كل شيء تقريباً، من دون أن يمنحنا شيء منه الوقت الكافي لكي يستقر فينا ويتحوّل من معلومة إلى تجربة.
طوفان المعلومة
وهنا تحديداً بدأت أفكّر في المسألة من زاوية أخرى: هل تكمن أزمة السرد حقاً في أن التكنولوجيا أضعفت قدرتنا على رواية القصص؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟ ماذا لو كانت المشكلة أننا لم نفقد القصص، وإنما فقدنا الزمن الذي يجعل القصص تجارب؟
نحن، للمفارقة، نعيش في عصر لم يكن أكثر غنى بالحكايات منه. كل يوم يصلنا سيل من القصص: أخبار، اعترافات، يوميات، روايات، مسلسلات، مقاطع قصيرة، سير شخصية، وحكايات عن النجاح والفشل والحب والفقد. لم يكن الإنسان في أي وقت مضى محاطاً بهذا القدر من السرد. لكن كثرة القصص لا تعني بالضرورة كثرة التجارب.
قد نعرف في يوم واحد عشرات الحكايات، ثم ننتقل عنها قبل أن تستقر واحدة منها في الذاكرة. قد نعرف ماذا حدث لشخص ما، لكننا لا نعيش بالضرورة ما حدث له، وقد نستهلك قصة كاملة في دقائق، ثم ننتقل إلى قصة أخرى، وكأن الحكايات أصبحت مواد قابلة للاستبدال.
لدينا فائض في السرد، ونقص في المكوث.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتجاوز عندها نقاش أزمة الأدب مجرد الحنين إلى زمن ما قبل التكنولوجيا، فالمشكلة ليست أن القصص أصبحت قصيرة. القِصر ليس عيباً أدبياً، وقد تستطيع قصة من صفحة واحدة أن تفعل ما لا تفعله رواية من خمسمئة صفحة، كما أن التكنولوجيا لم “تقتل” الحكاية، ولم يكن الماضي عصراً ذهبياً خالياً من السطحية أو الاستهلاك.
المشكلة في الزمن الذي تحيط به القصة.
حين يصبح كل شيء من حولنا مطالباً بأن يكون سريعاً، واضحاً، جذاباً وقابلاً للمشاركة، فإن أكثر ما يتعرّض للخطر هو ما لا يمكن اختصاره: التردد، الصمت، الانتظار، التفاصيل الهامشية، الذاكرة، الغموض، وتلك المساحات التي لا يحدث فيها شيء بالمعنى الدرامي، لكنها تكون في الحقيقة المكان الذي تتشكّل فيه التجربة الإنسانية.
ترف نادر
لقد أصبحنا نعيش في زمن يريد من كل شيء أن يثبت قيمته بسرعة. الصورة يجب أن تجذب في اللحظة الأولى، والنص ينبغي أن يخطف الانتباه من جمله الأولى، والفكرة مطالبة بأن تكون قابلة للتداول والاقتباس. حتى الكتاب أصبح، في كثير من الأحيان، يدخل سباقاً مع الملخص الذي يختصره، لكن الأدب يحتاج إلى شيء يبدو اليوم ترفاً نادراً: الوقت. وقت القراءة، والتلقّي، والنسيان، والعودة. يحتاج إلى أن نتوه قليلاً قبل أن نفهم، وأن نسمح لشخصية روائية بأن تدخل حياتنا تدريجياً، فالرواية لا تخبرنا فقط بأن شخصية أحبَّت أو فقدت أو انتظرت، إنها تجعلنا نقضي جزءاً من حياتنا ونحن نعيش شيئاً من الحب والفقد والانتظار.
الفارق بين الزمن والتجربة
يمكن أن تخبرني في جملة أن رجلاً ينتظر شخصاً لن يعود، لكن الرواية العظيمة تستطيع أن تجعلني أنتظر معه عشرات الصفحات. عندها لا أكون قد تلقيت معلومة عن الانتظار، بل عشت زمنه، وهذا هو الفارق بين الحدث والتجربة. يمكن اختصار الحدث، أما التجربة فلا تختصر بالسهولة نفسها، ولعلَّ هذه هي النقطة الأكثر أهمية في أطروحة هان، مع التحفظ على بعض تعميماته، فالتكنولوجيا لم تقتل الحكاية، بل منحتها أشكالاً جديدة ووسعت إمكانات الكتّاب والقرّاء. المشكلة ليست في الوسائط الجديدة، وإنما في المنطق الزمني الذي تفرضه: السرعة، والتجاوز، والتحديث المستمر، والمطالبة الدائمة بالانتقال إلى الشيء التالي، لذلك ربما لم تقتل التكنولوجيا الحكاية، وإنما غيّرت زمنها، وهنا يبدأ السؤال الذي يعنيني في الأدب تحديداً: ماذا يحدث للأدب حين يصبح الزمن الذي يحتاجه لكي يُعاش أبطأ من الزمن الذي يحتاجه العالم لكي يُستهلك؟ فالأدب لا يحدث داخل الزمن فقط، إنه يصنع زمناً خاصاً به. يمنحنا فرصة لأن نبقى مع شخصية لا نفهمها فوراً، وأن ننتظر معنى لا يظهر في الصفحة الأولى، وأن نعود إلى جملة بعد مئة صفحة، فنكتشف أنها لم تكن الجملة نفسها. القراءة الأدبية، بهذا المعنى، ليست استهلاكاً للمحتوى، وإنما تجربة زمنية. نحن لا نقرأ الرواية لكي نعرف “ماذا حدث” فقط، وإلا لأمكن اختصار معظم الروايات في فقرة. نقرأ لكي نعيش كيف حدث، وما الذي فعله الحدث في الشخصيات، وما الذي فعله فينا نحن، وهنا تكمن قوة الأدب التي يصعب على اقتصاد السرعة أن يستوعبها. إنه يمنحنا ما يسحبه العالم منا باستمرار: المكوث. المكوث مع جملة، ومع شخصية، ومع سؤال لا نعرف إجابته في عالم يطالبنا باستمرار بالانتقال إلى الحكاية التالية، ربما تكون إحدى وظائف الأدب الأكثر ضرورة أن يقول لنا: لا تنتقلوا الآن. ابقوا قليلاً، فربما لم تعد أزمة الأدب المعاصر أن العالم فقد القصص، بل أن القصص فقدت الزمن الذي يجعلها تجارب، وربما تكون مهمة الأدب، في مواجهة هذا الفائض الهائل من الحكايات، ليست أن يروي لنا المزيد منها، وإنما أن يعيد إلينا شيئاً فقدناه من دون أن ننتبه: الوقت الكافي لكي نشعر بما نقرأ.
