في التاسع من أغسطس/آب 2008، غاب محمود درويش في أحد مستشفيات مدينة هيوستن الأميركية، بعد عملية جراحية في القلب، وغاب معه جسد شاعر كان قد أمضى أكثر من نصف قرن، وهو يحاول أن يمنح المنفى اسماً جديداً، وللغياب لغة، وللوطن مساحة أخرى يمكن أن يسكنها الإنسان حين تُغلق في وجهه الأبواب والأمكنة، لكن درويش، منذ ذلك اليوم، لم يدخل تماماً في باب الموت.
ثمة شعراء يموتون حين تتوقّف قلوبهم عن الخفقان، وشعراء آخرون يبدأ موتهم الأدبي بعد أن يهدأ صدى أصواتهم، أما محمود درويش فكان من أولئك الذين تحوّلت قصص رحيلهم إلى شكل آخر من أشكال الحضور، وكلما ابتعد الزمن عن جسده، ازدادت قصيدته اقتراباً من الذاكرة، وكلما تغيّرت خرائط السياسة، بدت أسئلته عن الوطن والمنفى والحب والموت أكثر اتساعاً من اللحظة التي وُلدت فيها، ولهذا، حين تحل الذكرى الثامنة عشرة لرحيله، لا يبدو السؤال الحقيقي: ماذا بقي من محمود درويش؟ بل ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بقي فينا من محمود درويش؟ فالشاعر الذي بدأ من قرية صغيرة قرب عكا، وانتهى جسده في مدينة أمريكية بعيدة، استطاع خلال حياته أن يجعل من المسافة بين المكانين جغرافيا شعرية كاملة. لم يعد الوطن عنده مجرد أرض تُستعاد أو حدود تُرسم، بل صار سؤالاً دائماً عن الإنسان: من أين يأتي؟ أين ينتمي؟ ماذا يفعل حين يفقد المكان؟ وهل يستطيع أن يحمل وطنه في اللغة حين تعجز الخرائط عن حمله؟
طفل خرج من القرية ودخل التاريخ
وُلد محمود درويش في 13 مارس/آذار 1941 في قرية البروة قرب عكا، وكان في السادسة تقريباً حين حلَّت نكبة 1948 لتقطع عليه مراحل النمو التي يحتاجها الطفل في طفولته. لجأت عائلته إلى لبنان، ثم عادت بعد فترة إلى فلسطين، لتجد القرية التي وُلد فيها قد دُمّرت، فتبدأ بذلك واحدة من أكثر المفارقات قسوة في حياته: أن يعود الإنسان إلى المكان الذي ولد فيه، فلا يجد المكان. لم يكن ذلك مجرد حدث عابر في سيرة شاعر. لقد أصبح لاحقاً واحداً من المفاتيح الأساسية لفهم عالمه الشعري، فدرويش لم يكتب عن المنفى لأنه قرأ عنه، بل لأنه عاشه في جسده وذاكرته، ولم يكتب عن القرية بوصفها صورة رومانسية لمكان ريفي، وإنما بوصفها المكان الأول الذي سُلب منه، ولذلك ظلَّ المكان في شعره حاضراً حتى عندما كان غائباً. كانت البروة أكثر من قرية في ذاكرته. كانت النموذج الأول لفكرة الوطن المفقود، ومن هنا يمكن فهم ذلك الحضور الكثيف للأرض، والزيتون، والبيوت، والأم، والخبز، والنافذة، والحقول، والبحر، والطرق، والعودة، والغياب في شعره. الأشياء الصغيرة لم تكن عند درويش مجرد تفاصيل جمالية. كانت تحمل في داخلها سؤال الوجود نفسه، فحين يفقد الإنسان وطنه، تصبح الأشياء اليومية وثائق. رغيف الخبز يصبح أثراً من آثار المكان. شجرة الزيتون تصبح شاهداً. اسم القرية يصبح مقاومة للنسيان. واللغة نفسها تتحوّل إلى بيت.
من شاعر المقاومة إلى شاعر الإنسان
ارتبط اسم درويش، في بداياته، بما سمي شعر المقاومة، وكانت قصائده الأولى مشبعة بنبرة مباشرة وواضحة، تعبّر عن تجربة الفلسطينيين في ظل الاحتلال والاقتلاع والتمييز. صدرت مجموعته الأولى “عصافير بلا أجنحة” عام 1960، ثم جاءت “أوراق الزيتون” عام 1964، لتتكرَّس مكانته سريعاً بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية الفلسطينية والعربية في جيله. وكانت قصيدة “بطاقة هوية” من أبرز النصوص التي ارتبطت بتلك المرحلة، وتحوّلت بعض عباراتها إلى جزء من الذاكرة الجماعية الفلسطينية، لكن اختزال درويش في “شاعر المقاومة” وحدها يظلمه، فالمقاومة كانت مرحلة من تجربته، وليست حدودها، ومع مرور السنوات، بدأ الشاعر يبتعد تدريجياً عن المباشرة، لا عن القضية، ويتجه نحو بناء قصيدة أكثر رمزية وتعقيداً، تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ، والذاكرة بالحب، والسياسة بالموت، والفردي بالجماعي. كان التحوّل جوهرياً.. في البداية كان السؤال: كيف أقول إنني موجود؟ ثم أصبح: ماذا يعني أن أكون موجوداً؟ وبين السؤالين اتسَّعت تجربة درويش من الجغرافيا الفلسطينية إلى الجغرافيا الإنسانية.
كانت البروة أكثر من قرية في ذاكرته. كانت النموذج الأول لفكرة الوطن المفقود، ومن هنا يمكن فهم ذلك الحضور الكثيف للأرض، والزيتون، والبيوت، والأم، والخبز، والنافذة، والحقول، والبحر، والطرق، والعودة، والغياب في شعره
المنفى الذي أصبح مختبراً للشعر
خرج درويش من فلسطين، وتنقّل بين موسكو والقاهرة وبيروت وتونس وباريس وغيرها من المدن، وعاش سنوات طويلة من المنفى، لكن المنفى عنده لم يكن مجرد حالة سياسية. كان مختبراً شعرياً. في المنفى اكتشف درويش أن الوطن يمكن أن يكون بعيداً إلى درجة الاستحالة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون قريباً إلى درجة اللغة. كانت المدن التي عاش فيها تتحوّل إلى طبقات جديدة فوق فلسطين الأولى. لم يعد المكان واحداً، ولم تعد الهوية كثافة بسيطة، ولم تعد العودة مجرد حركة جغرافية من مكان إلى مكان. صار الإنسان نفسه مكاناً متحركاً، ولهذا فإن قصيدة درويش في مراحلها اللاحقة تبدو كأنها تحاول باستمرار أن تعيد تركيب الإنسان من شظايا الأماكن التي مرَّ بها. كان يحمل فلسطين معه، لكنه لم يكن يحملها بوصفها صورة ثابتة. بعبارة أدق كان يعيد اكتشافها، وفي كل مرَّة كان يكتشف أن الوطن ليس شيئاً نمتلكه مرَّة واحدة، وإنما شيء نعيد اختراعه كلما ابتعدنا عنه.
حين خرجت القصيدة من الهتاف
ربما كان أحد أهم التحوّلات في تجربة درويش هو انتقال القصيدة من موقع الخطاب الجماعي المباشر إلى فضاء أكثر تأملاً في الذات والمصير. لم تعد فلسطين وحدها موضوع القصيدة. دخل الموت. دخل الحب. دخلت الأسطورة. دخلت الذاكرة. دخلت المرأة. دخلت الطفولة. دخلت الأسئلة الفلسفية، ودخل الشاعر نفسه، لا بوصفه متحدّثاً باسم الجماعة فقط، بل بوصفه إنساناً يخاف ويمرض ويحب ويشك ويتذكّر ويستعد للموت، وهنا أصبح درويش أكثر عالمية، فالشاعر الذي كان يكتب عن فلسطين بدأ يكتب أيضاً عن الإنسان الذي يفقد بيته، وعن الإنسان الذي يحب امرأة من الجهة الأخرى للمتراس، وعن الإنسان الذي يكتشف أن الموت لا يخص شعباً بعينه، وأن المنفى يمكن أن يكون سياسياً ووجودياً في الوقت نفسه، وهذا ما منح شعره قدرة استثنائية على تجاوز المناسبة. قصيدته لا تبقى دائماً داخل الحدث الذي ولدت منه. إنها تنجو منه.
“الجدارية” ومواجهة الموت
في مرحلة النضج الشعري، أصبح الموت أكثر كثافة وتخييماً في تجربة درويش. لم يعد الموت نهاية بعيدة في القصيدة، بل صار محاوراً. وفي “جدارية” التي صدرت في مطلع الألفية، بلغ هذا الحوار واحدة من أكثر صوره كثافة. كان الشاعر قد واجه تجربة مرضية خطيرة، فدخل الموت إلى القصيدة لا باعتباره خبراً، بل باعتباره سؤالاً عن معنى أن يكون الإنسان حيَّاً، وهنا يتغيَّر موقع الشاعر. لم يعد يتحدَّث عن موت الآخرين فقط. أصبح يتحدَّث عن موته هو، وهذا التحوّل مهم جداً، لأنه جعل القصيدة أقلَّ ارتباطاً بالحدث السياسي المباشر وأكثر اقتراباً من السؤال الإنساني الأبدي: ماذا يبقى من الإنسان حين يقترب جسده من النهاية؟ كانت الإجابة التي قدَّمها درويش، بطريقة شعرية لا تقريرية، أن الإنسان ربما لا يستطيع أن يهزم الموت، لكنه يستطيع أن يفاوضه باللغة. يمكن للموت أن يأخذ الجسد. لكنه لا يستطيع بسهولة أن يأخذ ما تحوّل إلى ذاكرة.

السياسة من داخل الشعر لا خارجه
لم يكن درويش شاعراً سياسياً بالمعنى التقليدي فقط، ولم يكن سياسياً يكتب الشعر من حين إلى آخر. كانت السياسة جزءاً من تكوينه الثقافي والتاريخي. ارتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية، وشغل عضوية لجنتها التنفيذية، وشارك في كتابة خطاب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الأمم المتحدة سنة 1974، وفي صياغة إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي أُعلن في الجزائر عام 1988، لكن علاقته بالسياسة لم تكن علاقة تبعية. كان يختلف، ويعترض، ويستقيل حين يرى أن السياسة تبتعد عن المعنى الذي يحاول الدفاع عنه. وفي عام 1993 استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو. وهنا تظهر شخصية درويش في واحدة من أكثر صورها وضوحاً: لم يكن يريد للشاعر أن يتحوّل إلى موظف في السياسة. كان يريد للقصيدة أن تحتفظ بمسافتها النقدية، فالقصيدة عنده ليست بياناً حزبياً. إنها مساحة للشك أيضاً.
الكرمل: حين يصبح الشعر مشروعاً ثقافياً
لم يكن اهتمام درويش بالشعر منفصلاً عن اهتمامه بالحياة الثقافية العربية. ومن خلال مجلة “الكرمل” الفصلية التي أسسها وترأس تحريرها، شارك في بناء فضاء ثقافي واسع احتضن الشعر والنثر والفكر والترجمة والنقد. وهنا تظهر صورة أخرى لدرويش لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي: درويش المحرر، والمثقف، والقارئ، وصاحب المشروع الثقافي، فهو لم يكن يريد للشعر أن يعيش وحيداً في كتاب. كان يؤمن بأن الأدب جزءٌ من الحياة الثقافية الكاملة، وأن القصيدة تحتاج إلى مجلات وكتب وحوارات ومترجمين وقراء ونقاشات حتى تبقى حيَّة.
لم يعد الوطن وحده بطلاً في القصيدة
في بداياته، كان الوطن يبدو بطلاً مركزياً في شعر درويش، لكن مع الزمن أصبح الإنسان نفسه أكثر حضوراً. وهذا ربما هو سر انتقاله من شاعر فلسطيني كبير إلى شاعر عربي وعالمي. لقد اكتشف أن فلسطين تستطيع أن تصبح مرآة لأسئلة أكبر من فلسطين، فحين يكتب عن المنفى، يجد الفلسطيني نفسه، وحين يكتب عن فقدان المكان، يجد اللاجئ في أي مكان نفسه، وحين يكتب عن الحب المستحيل، يجد العاشق نفسه، وحين يكتب عن الموت، لا يحتاج القارئ إلى جواز سفر. وهكذا، لم يعد درويش يكتب عن “قضية” فقط. كان يكتب عن الإنسان الذي تصنعه القضايا وتكسره الحروب وتعيد اللغة تشكيله.
الشاعر الذي جعل العربية وطناً
ربما كانت أعظم إنجازات محمود درويش أنه لم يكتفِ بالكتابة عن الوطن، بل جعل اللغة نفسها وطناً. وهذا ليس مجازاً بسيطاً، فالمنفى الطويل كان يمكن أن يحوّل اللغة إلى أداة دفاع، لكنه حوَّلها إلى فضاء إبداع. كان درويش يكتب بالعربية، لكنه لم يكن يكتب داخل قاموس مغلق. أدخل إلى العربية إيقاعاً حديثاً، ووسّع قدرتها على الجمع بين السياسي والفلسفي والغنائي والسردي، وبين التراث والأسطورة والتجربة اليومية، ولهذا فإن شعره لم يكن مجرد “شعر فلسطيني”. كان واحداً من أهم المختبرات اللغوية التي شهدتها القصيدة العربية الحديثة. لقد أخذ اللغة من الشارع إلى الأسطورة، ومن البيان إلى التأمل، ومن النداء الجماعي إلى الاعتراف الشخصي. وفي كل مرحلة كان يعيد اختبار حدودها.

درويش والحب
من الظلم أن نقرأ درويش من خلال فلسطين وحدها، ففي شعره مساحة واسعة للحب والرغبة والمرأة والجسد. والحب عنده لم يكن زينة جانبية. كان أحد أشكال اختبار الحرية، وفي قصائده، تستطيع المرأة أن تكون امرأة، وقد تكون وطناً، وقد تكون ذاكرة، وقد تكون جهة أخرى من العالم، لكن قوة هذه القصائد لا تأتي من تحويل المرأة إلى رمز فقط، وإنما من محاولة الشاعر أن يستعيد الفرد من داخل التاريخ، ففي أكثر قصائده حميمية، نكتشف أن الشاعر الذي تحدَّث باسم الجماعة طويلاً يريد أن يستعيد حقه في أن يكون شخصاً عادياً أيضاً. أن يحب. أن يشتاق. أن يخاف. أن يخطئ. أن يتذكّر. أن يموت.
كان درويش يكتب بالعربية، لكنه لم يكن يكتب داخل قاموس مغلق. أدخل إلى العربية إيقاعاً حديثاً، ووسّع قدرتها على الجمع بين السياسي والفلسفي والغنائي والسردي، وبين التراث والأسطورة والتجربة اليومية، ولهذا فإن شعره لم يكن مجرد “شعر فلسطيني”. كان واحداً من أهم المختبرات اللغوية التي شهدتها القصيدة العربية الحديثة
درويش والموت: آخر المنفى
في التاسع من أغسطس 2008، انتهت الرحلة الجسدية. رحل درويش في هيوستن عن 67 عاماً إثر مضاعفات عملية القلب، ثم نُقل جثمانه إلى رام الله، حيث شيَّعه الفلسطينيون في جنازة مهيبة، وأعلن حداد رسمي لثلاثة أيام، ودُفن بالقرب من قصر الثقافة في رام الله، في مكان تحوّل لاحقاً إلى فضاء يحمل اسمه وذاكرته، لكن المفارقة التي تجعل رحيله مختلفاً هي أن الشاعر الذي قضى حياته يبحث عن مكان يعود إليه، انتهى إلى أن يصبح هو نفسه مكاناً. ملايين القراء يعودون إليه. إلى قصيدته. إلى صوته. إلى استعاراته. إلى الأسئلة التي تركها معلقة، وكأن درويش، في النهاية، وجد الوطن في أكثر الأماكن التي لم يكن يستطيع أحد أن يصادرها: في اللغة.
بعد ثمانية عشر عاماً: ماذا بقي؟
بعد ثمانية عشر عاماً على رحيله، لم يعد السؤال عما إذا كان محمود درويش لا يزال حاضراً. الحضور واضحٌ وجليٌّ ومتفق عليه. قصائده تُقرأ. تُغنَّى. تُدرّس. تُترجم، وتظهر في مناسبات لا حصر لها، لكن الأهم من كل ذلك أن شعره لم يتحوّل إلى متحف. وهذه علامة الشاعر الكبير. الشاعر الذي يتحوّل إلى تمثال، يموت مرَّة ثانية. أما الشاعر الذي نستطيع أن نختلف معه، وأن نعيد قراءته، وأن نكتشف فيه شيئاً جديداً كل مرة، فهو شاعر لا يزال حيَّاً في الثقافة. وهذا ما يحدث مع درويش، فالقارئ الذي عرفه في “بطاقة هوية” قد يكتشفه لاحقاً في “جدارية”، والذي عرفه في قصائد الوطن قد يلتقيه في قصائد الحب، والذي دخل إليه من بوابة السياسة قد يكتشف بعد سنوات أنه كان يقرأ قصائد عن الموت، والذي قرأه شاباً باعتباره شاعر فلسطين، قد يعود إليه في منتصف العمر ليكتشف أنه شاعر الوقت الضائع، والذاكرة، والشيخوخة، والحنين، والخوف من النهاية. هذه القدرة على تغيير صورتنا عنه هي واحدة من علامات بقائه.
ليس شاعر فلسطين فقط
ربما يكون أكبر ظلم يمكن أن نلحقه بدرويش هو أن نضعه في تعريف واحد. محمود درويش شاعر فلسطيني، نعم. لكنه ليس “شاعر فلسطين” فقط. إنه شاعر المنفى، وشاعر الذاكرة، وشاعر الحب، وشاعر الموت، وشاعر اللغة، وشاعر الإنسان حين يجد نفسه عالقاً بين تاريخ لا يستطيع تغييره ومستقبل لا يعرف كيف سيأتي.
لقد بدأت قصيدته من قرية اسمها البروة، لكنها لم تنته هناك. كبرت القصيدة معه. خرجت من القرية إلى المخيم، ومن المخيم إلى المدينة، ومن المدينة إلى المنفى، ومن المنفى إلى العالم، وفي كل مرَّة كان الوطن يتسع. حتى أصبح في بعض قصائده سؤالاً لا جغرافياً.
حين يصبح الشاعر وطناً
بعد ثمانية عشر عاماً، ربما يمكن القول إن محمود درويش لم يترك لنا وطناً شعرياً بالمعنى المجازي فقط. لقد ابتكر طريقة في النظر إلى الوطن. علّمنا أن المكان ليس حجراً فقط، وأن المنفى ليس مسافة فقط، وأن الذاكرة ليست أرشيفاً، وأن الحب ليس خلاصاً دائماً، وأن الموت ليس نهاية الكلام، والأهم أنه علّمنا أن اللغة تستطيع، في بعض اللحظات النادرة، أن تمنح الإنسان ما تعجز السياسة عن منحه: إحساساً مؤقتاً بأن العالم قابل للسكن. لهذا لا نقرأ محمود درويش اليوم لأننا نريد أن نتذكَّر شاعراً مات في 2008. نقرأه لأن أسئلته لم تمت. لأن الأرض التي كتب عنها ما زالت سؤالاً، ولأن المنفى ما زال يتكاثر، ولأن الإنسان ما زال يبحث عن مكان يستطيع أن يقول فيه: هذا بيتي. ولأن الشعر، في زمن يزداد فيه العالم قسوة وسرعة وضجيجاً، لا يزال قادراً على أن يفتح نافذة صغيرة للإنسان كي يرى نفسه.
كان درويش يعرف أن القصيدة لا تستطيع أن تستعيد قرية مُهدَّمة، ولا أن توقف حرباً، ولا أن تعيد ميتاً، ولا أن ترسم حدود دولة، لكنه عرف شيئاً آخر أكثر عمقاً: أن الكلمات تستطيع أن تمنع الخراب من أن يكون الكلمة الأخيرة. وهذا، ربما، هو المعنى الأبعد لبقاء محمود درويش بعد ثمانية عشر عاماً من الرحيل.
لقد أخذوا منه المكان، فبنى مكاناً من اللغة، وأخذوا منه الطفولة، فاستعادها في القصيدة، وأخذوا منه الوطن، فوسّع الوطن حتى صار قصيدة، وحين جاء الموت أخيراً، لم يستطع أن يأخذ كل شيء. بقيت القصيدة، وبقي صوت الشاعر، وبقي القارئ، وبقي السؤال، وهذا هو النوع الوحيد من الرحيل الذي لا ينجح فيه الموت تماماً.
